التجمعات السياسية في الكويت هشة، برأى المقاطع ولا تملك رؤية ولا قرارا
زاوية الكتابكتب يناير 19, 2012, 12:59 ص 909 مشاهدات 0
القبس
الديوانية
أ.د. محمد عبدالمحسن المقاطع
استوقفني أحد زوار الكويت متسائلا: ما الذي حوّل الأوضاع لديكم جميعها إلى اهتمام سياسي محلي صِرف؟ لماذا الشأن المحلي والبرلماني والجو السياسي دائما هو محور اهتمام الكويتيين؟
تأملت في ما طرحه عليّ هذا الصديق الزائر، فرأيت أن تساؤله في محله، ففي الكويت فقط من دون غيرها من الدول الأخرى، نجد أن جلّ اهتمام الناس اليومي، وأحاديثهم ودواوينهم هي تناول الأوضاع السياسية المحلية بصورة تهمّش كل شيء آخر، فصار الحدث السياسي المحلي والآني هو همهم، فالدواوين تنشغل بحديث روادها عنه، ومجالس النساء تتداول في ذلك الحدث، وموظفو الدولة يتناقلون أخباره، والكل مشغول بدوامة مستمرة متفاعلة مع الحدث السياسي المحلي، فينسى الموظف أعمال وظيفته وأداء مهامها، ويغفل المواطن عن أموره الحياتية ومسؤولياته الاعتيادية كمواطن، وينجرف وراء الحدث، والمراكز العلمية والبحثية هي الأخرى تنساق وراء الحدث وتنسى ما هي مكلفة به من مهام، وما هو مُلقى عليها من واجبات، وهو وضع من دون شك غير صحي، وينبئ بأن هناك فراغاً شديداً في الحياة العامة لدى الكويتيين.
إن الوعي السياسي والمتابعة السياسية من الأمور المهمة للمواطن، لكنها يجب أن تتم من دون إفراط أو تفريط، فإدمان السياسة على النحو الذي يتم في الكويت، أوجد حالة من الشغف والترقب والانتظار بصورة مستمرة، فالناس في تلهف دائم أن يتلقفوا الأحداث السياسية، وأن يتكلموا بها، وأن يتناقلوها، وهو السبب الذي أوجد حالة الهبّات السياسية التي تسيطر على الحياة العامة في الكويت لفترة طويلة، لمجرد وجود حدث فرضه الواقع، أو أفرزه حدث معين، أو طرحته الحكومة متعمّدة لإشغال الناس به، أو فرضه مجموعة من نواب مجلس الأمة أو تكتل سياسي بعينه حتى يصرف الانتباه عما لا يريده من خلال جذب الانتباه، ولو راجعنا قائمة الأحداث التي عاشتها الكويت على سبيل المثال في سنة 2011، لأدركنا أن هذه الهبّات السياسية صارت هي في الواقع الرئة الوحيدة التي يعرف الكويتي أن يتنفس من خلالها، وكأنه حينما يتوقف عن تعاطي السياسة، فذلك يعني إصابته بالسكتة القلبية لانقطاع النفس السياسي عن رئته.
وأود أن أطرح هنا تساؤلات مهمة: ألا ترون اندفاع الطبيب الجراح الى تعاطي السياسة والترشح لعضوية مجلس الأمة، ومثله المهندس المتخصص في علوم هندسية دقيقة، ويصحبهما أستاذ الجامعة، تاركا محراب العلم ولاهثا وراء السياسة، ويلحق بهؤلاء جميعا أهل الخبرة والاختصاص العلمي أو الفني أو التكنولوجي أو الشرعي، مندفعين جميعهم وراء الحياة السياسية العامة، وكأنه لا قيمة للإنسان، ولا وجود له إلا اذا صار عنصرا فاعلا في الحياة السياسية، بمنصب وزاري أو عضوية برلمان أو لجنة عليا حكومية أو عضوية مجلس بلدي، حتى صارت القيم تخضع لمنظور سياسي صرف، وهو ما أدّى الى زعزعة فكرة المواطنة والوحدة وامكانية بناء وطن، اذ أن دهاليز السياسة صارت هي الغاية والهدف وليس بناء الوطن؟ وإلا فما هو تبرير أن يترك الطبيب والمهندس والأستاذ ورجل الدين والفني مواقعهم المهمة في بناء الوطن، مهرولين الى عالم السياسة، وكأنما لا توجد أجواء نقية يتنفس فيها الانسان نسائم بناء الوطن، الا حينما تمتلئ رئته بالهواء السياسي؟
ولنتصارح في هذا الجانب، بأن التجمعات السياسية في الكويت هشة، الى درجة أنها لا تملك رؤية ولا قرارا ولا طرحا تنمويا حقيقيا، ولا قدرة على ذلك، لأنها إنما تنجرف بتيارها وفكرها وراء طموح أشخاص معدودين فيها، هوسهم السياسة وتحقيق الذات من خلالها، وهؤلاء مثل غيرهم من السياسيين المتصدرين للحالة السياسية في الكويت، ليس لديهم عطاء ولا قدرة على البناء ولا امكانية في ممارسة عمل وطني مثمر ومنتج بقدر انحصار تفكيرهم وقدرتهم على الوجود السياسي لأشخاصهم في الحياة العامة، لذا فأي من هؤلاء عند فقدانه لوضعه السياسي ذاك، يصبح بلا وجود، أوليس من تتوقف رئته عن التنفس يصبح ميتا؟ هذه هي حال معظم رجال السياسة في الكويت اليوم، لأن شعورهم هو حُكم عليهم بالإعدام السياسي لحظة انقطاعهم عن التواجد في ساحته، وهذه حال ـ من دون شك ـ لا تسرّ ولا يُبنى بها بلد ولا يُطوَّر بها عمل بما فيه العمل السياسي.
اللهم إني بلّغت.
أ.د. محمد عبدالمحسن المقاطع

تعليقات