لواء أحمد الرجيب يروي قصة الضباط الأسرى في ايجاز غير مخل

زاوية الكتاب

كتب 1394 مشاهدات 0


 

الأنباء

 

 

 

الأسير الشاهد رقم 232036 (4 ـ 4)

مع تكرار تلك الزيارات وتدفق الخير معها من اكل وملبس ولوازم اخرى تغيرت الحياة في المعتقل، واصبحت اسهل من ذي قبل، اذ اطمأنت قلوبنا على اهلنا، وتوافرت لدينا الملابس التي كنا بحاجة اليها بعد ان كان الملبس الوحيد الذي لدينا هو «البلسوت»، كما توافرت لدينا كميات من الاكل كنا بأمس الحاجة اليها، وكنا قد وصلنا الى مرحلة بدأ فيها الجوع يأكل من اجسادنا وصحتنا. وكل ذلك أتى في وقته حيث كان شهر رمضان المبارك غير بعيد عنا.. حتى اننا ومع استمرار تلك الزيارات وما تأتي به من خيرات ونقود، لاحظنا تغيرا ملموسا في معاملة مسؤولي المعتقل وحراسه، حيث تحسنت معاملتهم كثيرا عن ذي قبل. لأنهم كانوا يصيبهم الشيء الكثير مما يأتي به الأهالي، من ملبس لهم ولعائلاتهم ومن انواع اكل لم يكن يتوافر لهم لا كما ولا نوعا قبل تلك الزيارات، ناهيك عما يصل الى جيوبهم من نقود من بعض الأسرى.

 

واستمرت تلك الزيارات بوتيرة زيارة كل اسبوع، ولكنها توقفت الى ما قبل موعد الضربة الجوية بأسبوع تقريبا، ولعلمنا بما قد تجره الحرب من ويلات ومآس، ولأننا لا نعرف ما قد يصيبنا منها ونحن في هذا المعتقل والذي يحيط به عدد من معسكرات الجيش، حاولت ان انصح الأهل في الزيارة الاخيرة بأن يخرجوا من الكويت الى أي مكان آمن الى ان تنتهي الحرب.. وللحق انني لم أفاجأ برفضهم للفكرة وإصرارهم على البقاء في الكويت، وهو اصرار لم أستغربه منهم، وهم الذين حصلت لهم اكثر من فرصة لمغادرة الكويت ولم يغادروها.. وكان منطقهم يقول إما ان تتحرر ونعيش فيها احرارا او نموت فيها.

 

وجاء موعد بدء معركة التحرير وهو يوم 17/1/1991، عندما استيقظنا فجرا على اصوات بدء القصف الجوي، الذي كان بمثابة زغاريد فرح في أسماعنا وكانت السماء تضاء جراء القصف العنيف، وكانت في نظرنا كأنها العاب نارية في احتفال ضخم.

 

ومع استمرار القصف يوميا، كانت معنوياتنا في أوجها، وفي المقابل كانت حالة حراس المعتقل يرثى لها، معنويات في الحضيض، خوف لا يخفى على احد، تمثل في مضاعفة وتشديد الحراسة اكثر من ذي قبل.. ومع اشتداد القصف الذي نال عددا من المواقع القريبة منا، كان لابد من وضع خطط للهرب من المعتقل خشية ان يتم قصفه بطريق الخطأ، ولكن لطف الله وقدرته جعلانا لا نحتاج اليها.. لان الله سبحانه وتعالى منّ علينا بالفرج الاكبر وبهزيمة الغزاة هزيمة ساحقة، وحررت الكويت وعادت كما كانت وطنا عزيزا غاليا، وكان يوم تحرير الكويت عيدا لنا كما كان عيدا لكل كويتي.. كان يوما اختلطت فيه القبلات بالدموع والفرحة الغامرة بالشوق لرؤية الوطن المحرر الجريح.

 

وبلغنا الله شهر رمضان الشهر الكريم ونحن في المعتقل ننتظر يوم الفرج.. نقضي نهاره بالصلاة وقراءة القرآن الكريم الذي وبفضل من الله كثر حافظوه من الضباط الأسرى، وتمتد موائد الإفطار بعد الأذان، وبعدها يكتمل الجمع لصلاة التراويح التي كان يؤمها المقدم علي الشطي بصوته الشجي الذي يدخل القلب من دون استئذان وبدعائه الذي يهز الوجدان.. هكذا قضينا الايام في المعتقل بعد ان تحررت الكويت .. كان شوقنا يزداد كل يوم للعودة للوطن وللأهل، والكل يتساءل متى نعود؟

 

وفوجئنا يوما بزيارة الصليب الأحمر للمعتقل وبدء تسجيل أسمائنا. وبعد ذلك أعطى كل منا رقما.. وكان رقمي هو (232036)، وبعد ايام على تلك الزيارة، جاء مسؤول المعتقل يوما ليبلغنا بأن علينا ان نستعد حيث سيتم اطلاق سراحنا غدا.. وكانت فرحتنا طاغية غامرة بهذا الخبر، فقط كان يشوب تلك الفرحة شيء من الحذر خوفا من ان يكون الخبر كاذبا كالعادة، الا انه في صباح اليوم التالي، والذي صادف يوم 26/3/1991 شاهدنا حافلات تصطف امام المعتقل لتحملنا الى الرمادي، حيث استبدلت بحافلات أخرى حملتنا الى مدينة عرعر في المملكة العربية السعودية الشقيقة، وكان على رأس مستقبلينا الشيخ احمد الحمود الصباح نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية حاليا. ثم انتقلنا في اليوم التالي بالطائرات الى الكويت الحبيبة، وكان على رأس المستقبلين لنا سمو ولي العهد الشيخ نواف الاحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه والشيخ سالم صباح السالم الصباح رحمه الله وطيب الله ثراه، وكان ذلك في السابع عشر من شهر رمضان المبارك، المصادف لليوم السابع والعشرين من شهر مارس 1991.

 

هذه قصة الضباط الأسرى في ايجاز غير مخل، وفي إطالة أتمنى انها لم تكن مملة.. قصة ضباط من الجيش والشرطة والحرس الوطني كانوا نعم الرجال، لم تلن لهم قناة، لم ترهبهم محاولات الترهيب، ولم تهزهم او تغريهم محاولات الترغيب، كانوا على قلب رجل واحد، صمدوا وصبروا وصابروا، ظلت جذوة الأمل متقدة في نفوسهم، مؤمنين بالله سبحانه وتعالى وبقدرته على تحقيق أملهم في تحرير وطنهم الذي يعشقون ثراه. قصة لو كتبت بإسهاب وبكافة تفاصيلها لما وسعتها المجلدات، ولكني آثرت ان اتناول خطوطها العامة، وتركت التفصيل لمن يتحمل امانته، لأني على يقين بأن لكل أسير منا قصة ومواقف وتفصيلات قد تخفى على الكثيرين.

 

وفي نهاية هذه الشهادة يطيب لي ان أحيي بكل الاكبار والاجلال كافة الاخوة الضباط الأسرى الذين عاشوا وعايشوا ما ذكرت فردا فردا، سواء من توفاه الله، او من تقاعد بعد ان أدى واجبه كاملا نحو الوطن، او من مازال منهم على رأس عمله مستمرا في عطائه (على سبيل المثال لا الحصر الفريق احمد الخالد رئيس الأركان العامة للجيش حاليا والفريق سليمان الفهد الوكيل المساعد لشؤون الأمن الخاص بوزارة الداخلية واللواء مرزوق البدر من الجيش قائد القوه البحرية، واللواء عبدالله المهنا الوكيل المساعد لشؤون العمليات بوزارة الداخلية واللواء عبدالعزيز الجاسم بالجيش قائد القوة الجوية وغيرهم كثيرون من الضباط في جميع المواقع المهمة سواء في الجيش او الشرطة او الحرس الوطني، ملتمسا منهم العذر ان كنت في هذا الإيجاز مقصرا في حق اي منهم.

 

وتحية تقدير لكل من ساهم بجهد مهما كان متواضعا في ملحمة تحرير الكويت الغالية.. ودعاء من القلب في هذه الايام المباركة، للمولى عز وجل بأن يرحم الاخ الكبير والصديق الصدوق الشهيد الفريق يوسف ثنيان المشاري الذي ضرب اروع الأمثلة في عشق الكويت والذي آثر ان يقطع إجازته في فرنسا ويدخل الكويت هو وصديقه الشهيد عبدالوهاب المزين وآخرون، ليعملوا على تأسيس وقيادة احدى اهم خلايا المقاومة والتي ابلت بلاء حسنا في مقاومة الغزاة كغيرها من خلايا المقاومة، وكان نعم الاخ المخلص الذي لم ينس في غمرة انشغاله بمهمته الوطنية ان يزور اهلي واولادي مواسيا وشادا من ازرهم، رحمك الله يا ابا يعقوب رحمة واسعة، ورحم الله شهداء الكويت الابرار من الرجال والنساء، والذين كانوا من جميع شرائح المجتمع من حضر وبدو، سنة وشيعة، والذين اختلطت دماؤهم الزكية وضحوا بأرواحهم، مجسدين باستشهادهم من اجل الوطن، الروح والوحدة الوطنية الحقة، من اجل ان تبقى الكويت حرة أبية، تغمدهم الله بواسع رحمته وادخلهم فسيح جناته انه هو السميع المجيب.

 

 

الأنباء

تعليقات

اكتب تعليقك