د. حمد الأنصاري يكتب: تدمير الحياة السياسية بالكويت

زاوية الكتاب

كتب حمد الأنصاري 443 مشاهدات 0


الراي:

لا يخفى على أحد بأن الكويت هي رائدة العمل السياسي في المنطقة، فمنذ الدستور الأول عام 1938 مروراً بدستور 1962، وانتخاب أول مجلس أمة عام 1963، ثم الانقلابين الأول والثاني على الدستور، والمطالبة بعودة الحياة البرلمانية، وأحداث دواوين الاثنين، نهاية بالحراك الشعبي في السنوات الماضية؛ شهدت الكويت العديد من الأحداث والتطورات في الحياة السياسية.
والمتابع للحياة السياسية في الكويت يرى بأن الحركة السياسية كانت في صعود منذ بدايات القرن الماضي، ووصلت ذروتها في الستينات والسبعينات، فتشكلت لدينا العديد من الحركات أو التنظيمات السياسية التي أثرت تلك الحياة السياسية، من خلال طرح أفكارها ورؤاها للمجتمع، وقد برزت حينها المعارضة الوطنية التي دافعت مراراً وتكراراً عن الدستور والمكتسبات الشعبية، وحققت العديد من الإنجازات الشعبية وأهمها تأميم النفط، فكان هناك برلمان قوي يدافع عن الشعب، ومؤسسات مجتمعية تنويرية تسهم في رفع الوعي كالأندية والجمعيات الأهلية والنقابات.
في المقابل حاولت السلطة منذ البداية تخريب تلك الحياة السياسية، فكانت فضيحة تزوير انتخابات 67 هي الخطوة الأولى، تبعها حدث تاريخي مفصلي وهو الانقلاب الأول على الدستور في العام 76، فجاء الرد الرافض لذلك الإجراء من مجموعة من الصحف والمجلات، وكذلك صدر بيان يطالب بعودة الشرعية الدستورية من مجموعة من الاتحادات والجمعيات والاندية والنقابات؛ أبرزها الاتحاد العام لعمال الكويت، فأغلقت تلك الصحف، وأعتُقل من قام بتوزيع ذلك البيان وحلت مجالس إدارات الجمعيات الموقعة على البيان، وجرى تعطيل نادي الاستقلال وهو مركز تجمع العناصر الوطنية في ذلك الحين، كما كانت هناك تبعات كبيرة لذلك الانقلاب أهمها قانون التجمعات وتعديل قانون الدوائر الانتخابية، الذي كان له بالغ الأثر في تخريب العمل السياسي في الكويت، بعد أن تم تقسيم الكويت إلى خمس وعشرين دائرة انتخابية صغيرة، ما أدى إلى إفساد العملية الانتخابية من خلال المال السياسي ونواب الخدمات وانتشار الأمراض الاجتماعية كالتعصب القبلي والطائفي، الذي استفادت منه السلطة كثيراً لإضعاف المعارضة الوطنية وتقوية القوى الرجعية الحليفة لها.
واستمرت السلطة في محاولاتها لتقويض الدستور والانقضاض على الحياة السياسية، كما استمرت الحركة الوطنية والشعبية بالتصدي لها، فبعد عودة الحياة السياسية عام 80 حاولت الحكومة تعديل الدستور إلا أنها فشلت في ذلك وسحبت مشروعها بسبب الضغط الشعبي الرافض لتلك التعديلات، فجاءت في العام 86 لتنقلب على الدستور للمرة الثانية، ولعل الغالبية سمعوا بأحداث دواوين الاثنين والرفض الشعبي لذلك الانقلاب، وبالتأكيد لن يكفي مقال واحد لسرد تلك الأحداث جميعاً فهناك أحداث حركة «نبيها خمس» المطالبة بتعديل الدوائر، والحراك الرافض لنظام الصوت الواحد ، وكلها تبين أن السلطة مستمرة في العمل على تدمير الحياة السياسية بينما الشعب متمسك بها.
الشاهد في الأمر أننا وصلنا اليوم إلى مرحلة نستطيع فيها أن نقول بأن السلطة نجحت بشكل كبير بتدمير تلك الحياة السياسية، فها نحن نرى مجلس الأمة بلا طعم ولا لون ولا رائحة بعد إضعاف المعارضة الوطنية، وانقلاب السلطة على حلفائها من القوى الرجعية التي لبست ثوب المعارضة، ليصبح في المشهد البرلماني شخصيات لا تمت للعمل السياسي بصلة، فلا فكر ولا رؤية ولا برنامج سياسي، بل لا تحركهم سوى المصالح الانتخابية الشخصية، ولعل أكبر دليل على ذلك هو ما يحدث اليوم تحت قبة عبدالله السالم، فالحكومة تتلاعب بالمجلس يميناً وشمالاً والأعضاء بلا حول ولا قوة، أما هموم الناس والوعود التي قطعها النواب لناخبيهم فقد ذهبت أدراج الرياح، فلا خفض لأسعار الوقود ولا حل لمشكلة الاسكان ولا رقابة على ارتفاع الاسعار...الخ.
لقد وصلنا لمرحلة يعتبر فيها السياسي الحقيقي عملة نادرة، وهذه العملة النادرة هي ما نحتاجه اليوم لنعيد الحياة السياسية لعهدها السابق، لذلك يجب أن نؤسس جيلاً سياسياً جديداً، جيلاً يمتلك وعياً سياسياً ونظرة مستقبلية، لا جيل تحركه المصالح الانتخابية والحسابات الشخصية، نريد جيلاً يرفض حتى مجرد التفكير بتعطيل الدستور، وليس جيلاً يطأطئ رأسه خوفاً من حل البرلمان!

تعليقات

اكتب تعليقك