مبارك الجري يكتب عن أزمة الفكر العربي
زاوية الكتابكتب مايو 20, 2015, 9:16 ص 1562 مشاهدات 0
في إحدى محاضرات برنامج ماجستير العلوم السياسية في جامعة الكويت ، شد انتباهي مصطلح تردد على مسامعي عدة مرات ، وهو (( التبعية )) . ولا أعرف لماذا توقفت عند ذلك المصطلح طارحاً العديد من الأسئلة على أستاذ المقرر . وكان من بين تلك الأسئلة : هل نحن تُبّع لدولة ما ؟ وإذا كنا تُبّع ، ما هو السبب ؟ و ما هو المخرج من هذه التبعية ؟
بالرغم من أن الإجابة لم تكن مباشرة ، إلا أنها كانت عميقة وعلمية ، جعلتني أمام عدة مشاهد نعيشها الآن ، تتزعمها ((أزمة الفكر العربي)) التي جعلت منا أمة متخلفة ورجعية مقارنتاً مع الأمم الأخرى . وهذه هي الحقيقة التي لا نريد أن نواجهها بصدق وشفافية ؛ مكتفين بأعذار سمِجة و بالية لنغطي على نكوصنا و خمولنا الفكري والثقافي . إن أحد أسباب هذه الأزمة يكمن في (( التبعية الفكرية والثقافية )) للفكر الغربي ، حتى أن وصل الأمر لمحاكاة الغرب في السلوك والمظهر والعادات والتقاليد . وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما قال (( لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لاتبعتموهم . قلنا يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال فمن ؟ ))
ولا أعني فيما سبق الانعزال الفكري والثقافي ، بل من الضرورة أن يكون هناك تطوراً فكرياً بعيداً عن التبعية ، وانفتاحاً لا يقودنا إلى التخلف والضياع ، ولن يتم ذلك إلا من خلال تنشئة تعليمية صحيحة يتعزز بها البحث العلمي والإنتاج الفكري في مختلف الحقول والميادين العلمية ، و عدم الاعتماد على (( ثقافة النقل أو النسخ)) السائدة في النظام التعليمي العربي الحالي .
إن التغريب والتبعية الثقافية نتاج لفراغ فكري وجمود معرفي و تراجع علمي و انحدار اجتماعي وقيمي ، جعل منا أمة ضعيفة هشة في عالم تتسابق به الدول باختراعاتها المتعددة والمتنوعة و تطورها المستمر إلى أعلى القمم ، بينما نحن مازلنا في أسفل القاع معتمدين على فتاتهم الفكري و التكنولوجي و التقني ... الخ . إن هذه الإشكالية هي أحد أهم أسباب إن لم يكن السبب الوحيد في ضعف الأمة العربية ، لأن أهم معايير القوة كما تناولها العديد من أساتذة العلاقات الدولية في أطروحاتهم و تحليلاتهم هو المعيار الفكري والثقافي وليس المعيار الديموغرافي أو الجغرافي أو العسكري ، ولنا في اليابان خير مثال ، فالبرغم من صغر مساحتها الجغرافية وقلة مواردها الطبيعية مقارنتاً مع بعض الدول العربية المترامية الأطراف و الغنية بمواردها الطبيعية ، إلا أنها متقدمة على الدول العربية (مجتمعة) اقتصادياً و تكنولوجياً و علمياً وذلك يعود إلى استثمار فكر الإنسان الياباني وعدم إتباع أفكار وثقافة الدول الأخرى !!
قال المفكر الأمريكي ألفن توفلر : (( أن القوة في القرن الحادي والعشرين ، لن تكمن في المعيار الاقتصادي أو العسكري التقليدي ، بل في المعيار المعرفي )) ، وفي نفس السياق قال رئيس وزراء بريطانيا السابق ونستون تشرتشل : (( أن امبراطورية الغد هي امبراطورية الفكر )) . لذلك يمكن القول إن حرب اليوم ليست عسكرية ، بل فكرية لا تحتاج إلى حمل السلاح و الجيوش الجرارة أو المواجهة العسكرية المباشرة ، وأن التبعية الفكرية والتقليد الأعمى للغرب من أخطر الإشكاليات و الأزمات التي تهدد هوية و ثقافة الأمة العربية والإسلامية .
تعليقات