الديين يدق جرس الإنذار من تراجع نسبة المقترعين
زاوية الكتابكتب يناير 29, 2012, 1:22 ص 836 مشاهدات 0
عالم اليوم
تراجع نسبة المقترعين... وجرس الإنذار!
كتب أحمد الديين
على الرغم من أنّ معدلات المقترعين في الانتخابات النيابية إلى إجمالي أعداد الناخبين في الكويت لا تزال مرتفعة نسبيا قياسا بمثيلاتها في العديد من البلدان، إلا أنّ هناك اتجاها تنازليا ملحوظا في هذه النسبة بدءا من انتخابات العام 2006 لمجلس الأمة في الفصل التشريعي الحادي عشر، ما يتطلّب الانتباه إليه ومحاولة تحليله وتفسيره!
ولكي تتضح الصورة أكثر سأعرض هنا سجلا تاريخيا لنسب التصويت في الانتخابات النيابية بدءا من العام 1963، إذ تجاوزت نسبة المقترعين في تلك الانتخابات، التي كانت الأولى في العهد الدستوري، 85 في المئة من إجمالي الناخبين... وتشير الأرقام الرسمية إلى انخفاض هذه النسبة إلى 66 في المئة في انتخابات الفصل التشريعي الثاني للمجلس التي تعرضت إلى تزوير فجّ، وهذا ما يلقي ظلالا من الشكّ على ما تمّ إعلانه من بيانات وأرقام تتصل بتلك الانتخابات المزورة... وعندما أجريت في العام 1971 انتخابات مجلس الأمة في الفصل التشريعي الثالث نجد أنّ نسبة المقترعين قد تدنّت إلى 52 في المئة؛ وربما يعزى ذلك إلى عدم الثقة في نزاهة العملية الانتخابية التي سبق أن تعرضت للتزوير... ولعلّ الاطمئنان اللاحق إلى عدم تكرار التزوير المباشر في انتخابات المجلس للفصل التشريعي الرابع في العام 1975 هو ما أدى إلى ارتفاع نسبة المقترعين إلى 60 في المئة، ولكن سرعان ما تعرّض ذلك المجلس بعد نحو عام ونصف العام من انتخابه إلى التعطيل في إطار الانقلاب السلطوي الأول على الدستور في العام 1976 الذي استمر إلى العام 1981، ونلحظ أنّه بعد عودة العمل بالدستور واستئناف الحياة النيابية وإجراء انتخابات مجلس الأمة للفصل التشريعي الخامس في العام 1981 ضمن نظام الدوائر الخمس والعشرين الذي فرضته السلطة فقد ارتفعت نسبة المشاركة في الانتخابات إلى أعلى معدل لها في تاريخ الكويت، حيث تجاوزت 89 في المئة، ثم تراجعت قليلا في انتخابات المجلس للفصل التشريعي السادس في العام 1985 إذ كانت في حدود 85 في المئة، وقد تعرّض ذلك المجلس إلى الانقلاب السلطوي الثاني على الدستور في العام 1986 الذي استمر إلى العام 1992 بعد التحرير، ونلاحظ أنّ نسبة المقترعين إلى إجمالي أعداد الناخبين في انتخابات مجلس الأمة الفصل التشريعي السابع التي أجريت في ذلك العام بعد عودة العمل الدستور قد كانت قريبة من نسبة المشاركة في آخر انتخابات، إذ كانت في حدود 83 في المئة، وتكررت النسبة ذاتها في انتخابات المجلس للفصل التشريعي الثامن في العام 1996، الذي كان أول مجلس أمة يتعرّض إلى الحلّ الدستوري، حيث أجريت انتخابات مبكرة في العام 1999 لمجلس الأمة في فصله التشريعي التاسع وتجاوزت نسبة المقترعين 81 في المئة، وهي قريبة من النسبة ذاتها في الانتخابات النيابية اللاحقة للفصل التشريعي العاشر في العام 2003 التي كانت أيضا 81 في المئة... ولكن الأمر اختلف كثيرا في انتخابات مجلس الأمة للفصل التشريعي الحادي عشر في العام 2006، وهي ثاني انتخابات نيابية مبكرة بعد الحلّ الدستوري الثاني للمجلس على خلفية أزمة الدوائر الانتخابية، إذ تضاعفت أعداد المقيدين في السجلات الانتخابية بعد إقرار الحقوق السياسية للمرأة، فيما تراجعت في المقابل نسبة المقترعين إلى نسبة متدنية بحيث كانت في حدود 64 في المئة، وربما يعود ذلك إلى عدم مشاركة أعداد كبيرة من الناخبات بالتصويت في أول انتخابات يحقّ لهن المشاركة فيها... ولكن الأمر المقلق هو تراجع نسبة المقترعين إلى ما دون تلك النسبة في انتخابات مجلس الأمة للفصل التشريعي الثاني عشر التي جرت في العام 2008 بعد الحلّ الدستوري الثالث للمجلس، حيث تدنّت إلى 60 في المئة، وبعدها انخفضت في انتخابات مجلس الأمة للفصل التشريعي الثالث عشر في 2009 إلى 58 في المئة، وهذا ما يعبّر عن حالة من العزوف عن المشاركة في الانتخابات لدى أقسام من الناخبين، وربما كان ذلك نتاج الإحباط من تكرار حلّ مجالس الأمة المتعاقبة وإجراء انتخابات نيابية متلاحقة خلال فترات زمنية قصيرة؛ بالإضافة إلى ردّة الفعل تجاه بعض الممارسات النيابية السيئة... والآن قد تكون هناك خشية لها ما يبررها من أن تنخفض نسبة المقترعين في الانتخابات المقبلة إلى مادون النسبة السابقة، وذلك في ظل استمرار؛ بل تفاقم الأسباب ذاتها التي أدّت إلى عزوف أعداد من الناخبين، بالإضافة إلى تزامن موعد الانتخابات مع العطلتين المدرسية والجامعية وسفر أعداد كبيرة من المواطنين خارج البلاد.
ولكن بغض النظر عن التفاصيل والجزئيات فإنّ هناك ما يستدعي التفكير في العوامل والأسباب الأخرى لتراجع نسب المقترعين التي قد تكون ذات دلالات أعمق وأبعد، وفي مقدمتها غلبة الطابع الفردي للعملية الانتخابية وتراجع طابعها السياسي، وانسداد أفق العمل البرلماني من حيث عدم قدرته على إحداث الإصلاح وتحقيق التغيير، واستمرار الدوران المرهق في الحلقة المفرغة ذاتها طوال نصف قرن... بحيث قد يكون العزوف عن المشاركة جرس إنذار ينبّه إلى الخلل الكامن في نظامنا الدستوري القاصر!
تعليقات