موريتانيا: جدل حول ختان الإناث وجهود رسمية للقضاء على الظاهرة

عربي و دولي

609 مشاهدات 0


 

 

'إنها عادة حسنة تعلمناها من الأوائل وحافظنا عليها رغم محاولات البعض التنكر
لها –والعياذ بالله- تماشيا مع حضارة الغرب،ولسنا نرى فيها هضما لحقوق المرأة
ولا مخالفة للدين ولاتهمنى تهديدات الحكومة الجديدة بمعاقبة من يمارس الختان'.
هكذا تختصر فاطم / سيدي رؤيتها لعملية الختان التي بات مثار جدل بين
الموريتانيين بعدما أعلنت وزارة المرأة الموريتانية وبعض التنظيمات المدنية
الحرب على عادة ختان الإناث تحت شعار 'محاربة الممارسات الضارة بالمرأة والطفل'
قبل سنوات.
فاطم بنت بنت سيدي عجوز في الستين من عمرها تسكن إحدى المدن الداخلية (النعمة
على بعد 900 كلم شرق العاصمة نواكشوط) تعمل في مزرعة صغيرة قرب قريتها النائية
وخصوصا في فترة الخريف حيث تتساقط الأمطار أما في بقية الفصول فتكتفي بتدبير
شؤونها المنزلية لها علاقة واسعة بالجيران وصيت ذائع في المنطقة بعد أن أشتهرت
كأهم 'الخاتنات' حيث يحمل إليها الفتيات الصغار(بعد سبعة أيام من الولادة)
للختان أو 'لحفول' كما يطلق عليه محليا من قبل العاملين في هذا المجال وربات
الأسر وخصوصا في الأرياف حيث تنتشر عادة 'ختان الإناث' بشكل كبير بين القرويات.
لم تتعلم بنت سيدي في مدرسة نظامية كما لم تتخصص يوما واحدا في الطب لكنها
تعلمت هذه الحرفة عن والدتها التي كانت إحدى أشهر الخاتنات في القرية مطلع
الستينات لكنها لم تثر من الاهتمام والجدل ما إثارته فاطم ابنتها الكبرى نظرا
لسيطرة الأعراف والتقاليد ساعتها على الوسط القروي الموريتاني قبل الاستقلال
ونظرا لعدم وجود منظمات أو جهات تهتم بالمرأة وما تعيشه من اضطهاد.


بأبسط آلات الحلاقة أو بأي آلة حادة تستطيع فاطمة بنت سيدي من إجراء العملية
للفتيات الصغيرات دون أدنى مشكلة غير مكترثة بما تطلقه الفتاة من صراخ وهى في
يومها السابع تعبيرا عن الألم الذي تعيشه ولا بالدماء التي ستسيل لأن خليطا من
'الفحم' وبعض المواد الأولية جاهز لمداواة الجرح..المهم أن يزول العار ويتم
'الختان' وتدخل الفتاة الصغيرة حيز الفضلاء بعدما تم الاطمئنان على مستقبلها.
ترفض والدة الطفلة المباشرة عادة حضور عملية الختان لكن جدة الفتاة أو خالتها
لا تتوانى في المساعدة في العملية الجراحية قبل حمل الصغيرة إلى والدتها
لإرضاعها بغية التخفيف من آلامها.

أما بنت سيدى وحينما سألناها عن المشاكل الصحية التي قد تنجم عن عملية الختان
ردت وهى تبتسم وماذا تعرضنا نحن له؟! السنا مختونات؟ أنظر إلى:' لقد تزوجت
وأنجبت وعشت حياتي كأي امرأة عادية، ولا أشعر بالنقص عن باقي النساء كما لا
أعاني من أية مشاكل صحية المشاكل في عدم إجراء عملية الختان'.


تستفيد العجوز القروية من كل عملية ختان.. ثلاث كلوغرامات من السكر وألف أوقية
(ثلاث دولارات) وبعض الشاي الصيني ناهيك عن علاقة متميزة ستربطها في المستقبل
بأهل الفتاة كصاحبة منه على صغيرتهم المدللة.

وتعتقد العجوز القروية فاطم بنت سيدي أن عملية الختان جزء من تعاليم الشرع
وتذهب بعيدا إلى أن تبدع كل من لايقوم بتلك العادة وتعتبره ضحية لتقاليد الغرب
الوافدة ومجاريا 'للنصارى' بينما ترى في الوقت ذاته في عملية 'الختان' عملية
تطهير للفتاة وكبح لجماح شهوتها وهي صغيرة.

تلاحق العجوز الصغيرة بعد كبرها وتصبح فزاعة ترغم بها كل لحظة قبل البلوغ على
المساعدة في الأعمال المنزلية (تخويفا وترهيبا) وإلا فإن الخالة (فاطم) جاهزة
لختانها من جديد وهو أمر يثير حفيظة الفتيات الصغيرات الخائفات حتى من ذكر
عملية الختان خوفا من تكرار التجربة من جديد.

وتشن السلطات الموريتانية سنويا حملة إعلامية مكثفة للتقليل من مخاطر العملية
وخصوصا بين النساء الحضريات غير أن التقاليد الاجتماعية لا تزال أقوى من
الوسائل المستخدمة من قبل الدولة رغم انخراط عشرات المنظمات المدنية في الحملة
الرسمية لمواجهة الختان بما في ذلك رابطة علماء موريتانيا التي نزعت عنه الصبغة
الشرعية وردته لعادات وتقاليد المجتمعات الجاهلية في فتوى أصدرها رئيس الرابطة
قبل ثلاث سنوات السيد حمدا ولد التاه.
كما أصدرت وزارة الصحة الموريتانية تعميما حظرت فيه ممارسة عملية 'الختان' في
كافة المؤسسات الصحية التابعة للوزارة على عموم التراب الوطني وصنفت العملية
على أنها من الأضرار التي تتعرض لها النساء نتيجة للعادات القديمة التي لازال
غالبية السكان يحافظ عليها رغم تقادم الزمن.

وتقول الوزيرة المكلفة بشؤون المرأة في موريتانيا السيدة فاطمة بنت خطري، إن
هذه الظاهرة ما تزال موجودة بشكل مخيف في البلاد، وأن وزارتها تتابع عن كثب هذه
الظاهرة وتعتزم تبني استراتيجية واضحة للقضاء عليها، وكشفت الوزيرة عن نتائج
آخر مسح قامت به وزارتها حول انتشار هذه الظاهرة في موريتانيا، وتوضح نتائج
المسح أن بعض المناطق الموريتانية ما تزال تشهد انتشارا كبيرا لهذه الظاهرة،
فيما بدأت تنحسر في مناطق أخرى، هذا فضلا عن كونها تختلف في حجم انتشارها من
منطقة لأخرى، ومن قومية لأخرى، ففي منطقة الحوضين ولعصابة وكيدماغا، بشرق وجنوب
موريتانيا، تصل نسبة النساء المختونات إلى 97في المائة من نساء المنطقة، فيما
تصل النسبة في المناطق الوسطي من البلاد إلى 89في المائة، بينما تتراجع هذه
الظاهرة في مناطق شمال البلاد لتصل إلى 53في المائة، وحتى بين سكان المنطقة
الواحدة يختلف انتشار هذه الظاهرة باختلاف الوسط السكاني، حيث تبلغ نسبتها في
المناطق الحضرية 66بالمائة، مقابل نسبة 76بالمائة في الأوساط الريفية.
ويقول التقرير الذي أشرف على إعداده عدد من الأطباء والخبراء الاجتماعيين، إن
انتشار ظاهرة الخفاض في موريتانيا يختلف من قومية لأخرى حسب ألأعراق المكونة
للمجتمع الموريتاني، إذ تصل هذه النسبة لدى الأكثرية العربية إلى 70في المائة،
بينما ترتفع لدى الأقلية الزنجية مع تفاوت بين مجموعاتها، حيث تصل لدى قومية
'السونوكي' إلى 92في المائة، ولدى قومية 'الفولان' إلى 72في المائة، بينما لا
تتجاوز النسبة في أوساط قومية 'الولوف' 29في المائة.

 

سيد أحمد ولد باب/نواكشوط -خاص

تعليقات

اكتب تعليقك