اكتتاب شركة شمال الزور الأولى للطاقة والمياه: وجهة نظر قانونية دكتور عبدالعزيز بو خشبة

زاوية الكتاب

كتب عبدالعزيز بو خشبة 2152 مشاهدات 0


يعد مشروع بناء وتنفيذ وتشغيل محطة الزور للطاقة الكهربائية وتحلية المياه من المشاريع الحيوية في دولة الكويت، والتي تم تنفيذها وفقا لأحكام القانون رقم (٣٩) لسنة ٢٠١٠ بتأسيس شركات كويتية مساهمة تتولى بناء وتنفيذ محطات القوى الكهربائية وتحلية المياه في الكويت والقوانين g له، حيث تم بموجب هذا القانون تأسيس شركة شمال الزور (شركة المشروع) لبناء وتنفيذ وتشغيل وإدارة وصيانة محطة الزور الشمالية المرحلة الأولى.  
وقد كان من شأن ذلك، ووفقا لما تقرر في المادة ٢ من القانون رقم (٢٨) لسنة ٢٠١٢ بتعديل بعض أحكام القانون (٣٩) لسنة ٢٠١٠ المشار إليه آنفا ووفقا للمواد ٢ و٣ من المرسوم رقم (١) لسنة ٢٠١٥ بإصدار اللائحة التنفيذية لهذا القانون، أن قامت  الدولة ممثلة بالجهة الحكومية المعنية بالاكتتاب برأس مال الشركة المساهمة العامة المنشأة لهذا الغرض، شركة شمال الزور الأولى، وذلك بالنسبة المقررة للجهات الحكومية والحصص المخصصة للاكتتاب العام، على أن تدعو المواطنين عند تشغيل المشروع كليا لسداد قيمة الاكتتاب التي تولت الدولة بالنيابة عنهم دفع قيمته عند تأسيس الشركة وذلك دون أي فوائد أو رسوم أو زيادة فوق سعر السهم، وعلى أن تؤول إلى الدولة جميع الأسهم التي لم يسدد فيها المواطنون قيمتها للدولة خلال الموعد المحدد لذلك.


وعند بداية دعوة المواطنين لسداد قيمة الاكتتاب التي تولت الدولة بالنيابة عنهم دفع قيمته، دار الجدل بشأن مدى شرعية الاكتتاب بهذه الشركة (شركة المشروع) وذلك استنادا لبعض الملاحظات التي أبداها بعض الأفاضل على تصورهم للعلاقة التعاقدية بين شركة المشروع والدولة.


وحيث أن القاعدة أنه لابد من تصور المسألة تصورا دقيقا وتكييفها تكييفا صحيحا حتى يمكن الوصول لنتائج سليمة ذلك أن "الحكم على الشيء فرع عن تصوره" وهو ما يقتضي تكييف علاقة شركة المشروع بالدولة، وهو ما سوف أتناوله في هذا المقال.


إن ممن أسس، من السادة الفضلاء والمشايخ الأجلاء، رأيه على حرمة الاكتتاب في شركة المشروع إنما كان بناء على توصيف العلاقة بين شركة المشروع والدولة على أنها علاقة إيجار ساتر للبيع، بما يعني ورود عقدين في وقت واحد على عين واحدة في زمن واحد وهو أمر منهي عنه وفقا لأحكام الفقه الإسلامي، مستدلين على ذلك ببعض العبارات التي وردت في البيانات المالية في شركة المشروع وخاصة ما كان منها متعلقا بالإيرادات المتحصلة عن المشروع.


والحقيقة أن هذا التكييف للعلاقة بين شركة المشروع والدولة لم يأخذ بعين الاعتبار النظام القانوني واللائحي الذي يحكم العلاقة بين الطرفين علاوة على أن ما تم الاستدلال به لا يقطع بالدلالة على هذا المفهوم وذلك فقا للتفصيل التالي:

إن القانون الكويتي لا يقر هذه الصورة من صور التعاقدات (الإيجار الساتر للبيع)، ويعدها تحايلا على عقد البيع حتى ولو كان ذلك مبنيا على اتفاق الأطراف، حيث نصت المادة ١٤٠ من قانون التجارة الكويتي على أن "تسري أحكام البيع المنصوص عليها في المواد السابقة ولو سمى المتعاقدان البيع إيجارا"، وهذا النص يمثل قاعدة آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفة حكمها، وعليه فإنه لا يعول على ما يقرره أطراف العقد إن جاء مخالفا لحكم هذا النص وتطبق أحكام البيع بالتقسيط على مثل هذه العلاقة حتى ولو سمى أطراف التعاقد هذا البيع إيجارا، وهو نفس المعنى الذي قررته المادة ٤٣٠/٤ من القانون المدني المصري والتي جاء في مذكرته الايضاحية تعليقا على هذا النص بأنه "وبذلك يكون المشرع قد أقر الأمور في نصابها، وسمى الأشياء بأسمائها، حتى لو سميت باسم آخر، فهذا العقد بيع لا إيجار، ويعتبر معلقا على شرط واقف هو سداد الأقساط جميعها فإذا ما سددت انتقلت الملكية إلى المشتري منسحبة إلى وقت البيع" (د. إبراهيم أبو الليل- البيع بالتقسيط والبيوع الائتمانية الأخرى).

ومن جانب آخر فإن هذا المشروع قد جاء تنفيذا لأحكام القانون رقم ٣٩ لسنة ٢٠١٠ والقوانين المعدلة له، والذي يعد حاكما للعلاقة بين أطراف المشروع والذي أحال في المادة ٦ منه على سريان أحكام كل من القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٦٠ والقانون رقم ٧ لسنة ٢٠٠٨ فيما لم يرد بشأنه نص بهذا القانون وبما لا يتعارض مع أحكامه، وحيث جاء في الفقرتان الثالثة والرابعة من المادة السادسة من القانون رقم ٧ لسنة ٢٠٠٨ على أنه "وعند انقضاء مدة العقد تؤول إلى الدولة، وتعد من أملاكها دون أي مقابل أو تعويض، المشروعات والمنشآت المشار إليها في هذه المادة والمادتين السابقتين. ويقع باطلا بطلانا مطلقا كل اتفاق على خلاف أحكام هذه المادة، كما يبطل كل ما يترتب على ذلك من آثار"، فهذه النصوص كفيلة باستبعاد تكييف العلاقة على أنها إيجار ساتر للبيع، فهو إما أن يكون بيعا أو أنه تنظيم آخر إلا أنه لا يمكن أن يكون ايجارا ساترا للبيع.

والرأي الذي يترجح عندنا في تكييف العلاقة بين شركة المشروع والدولة، على أن هذا التنظيم يعد عقدا من عقود نظام البناء والتشغيل والتحويل ويتضمن هذا النظام علاقات تعاقدية متنوعة ومرتبط بعضها بالبعض الآخر، ومع ذلك فإنه بالنظر إلى القوانين واللوائح المنظمة للعلاقة بين أطراف المشروع، وإلى البيانات المالية المعلن عنها بشأن شركة المشروع، فإن العلاقة بين الشركة والدولة، فيما يظهر لنا، هي علاقة "مقاولة بناء مع تشغيل المشروع" وذلك بناء على ما يلي:

إن التفرقة بين عقد البيع وعقد المقاولة تدق أحيانا، ولكن يمكن التوصل إلى معيار واضح للتمييز بين المقاولة والبيع وذلك بأن يفرق بين ما إذا كان العقد يتعلق بإقامة بناء، وما إذا كان العقد يتعلق بتصنيع منقول مستقبل. فإذا كان رب العمل قد قدم الأرض فإن العقد يكون دائما مقاولة أيا كانت أهمية مواد البناء التي يقدمها المقاول، فإعمال القاعدة أن الفرع يتبع الأصل، ونظرا لأن الأرض دائما هي الأصل فإن مواد البناء تعتبر ملكا لصاحب الأرض بمجرد التصاقها في الأرض (د. حسام الدين كامل الأهواني - أحكام عقد البيع)، وحيث أن الأرض المقدمة في مشروعنا هذا هي ملك للدولة فلا مناص من تكييف العقد بأنه عقد مقاولة لا عقد بيع. والقول باحتفاظ الشركة بهذه المنشآت تنفيذا لالتزامها بالتشغيل طيلة مدة المشروع لا يغير من ملكية الدولة لهذه المنشآت وإن تأخر تسليمها حتى نهاية المشروع وفقا لما قرره نص المادة ٦ من القانون رقم ٧ لسنة ٢٠٠٨ من أيلولة مثل هذه المنشآت للدولة عند نهاية المشروع ولا يعتد بأي اتفاق مخالف لهذا الحكم، بل إن أي اتفاق مخالف لهذا الحكم يعد باطلا بطلانا مطلقا، هذا فضلا عن أنه من الممكن  للمقاول أن يحتفظ بالمشروع إلى حين سداد قيمة المشروع بالكامل وفقا لحق الدائن في الحبس.


ومما يدلل أيضا على عدم ملكية المقاول للمنشآت أثناء فترة المشروع هو عدم إجراء شركة المشروع لأية رهون على هذه المنشآت لصالح الدائنين الممولين في مقابل القروض المقدمة للمشروع، حيث اقتصر ضمان قروض الممولين على ضمان مقابل خطابات تنازل عن المديونيات والحقوق المتبقية بموجب اتفاقية تحويل الطاقة وشراء المياه، بالإضافة إلى رهن أسهم الشركة، دون أن يكون هناك رهن على المنشآت لأنه سيكون بلا شك باطلا بطلانا مطلقا لمخالفته لنص المادة ٦ من القانون رقم ٧ لسنة ٢٠٠٨ السابق الإشارة إليه.

ولا يغير من ذلك ما جاء في البيانات المالية من وصف للترتيبات الخاصة بالعلاقة بين الوزارة وشركة المشروع على أنها تصنف كعقد ايجار تمويلي/ تشغيلي، حيث جاء هذا التوصيف توافقا مع المعايير الدولية للتقارير المالية لا على أنه تكييف للعقد، حيث جاء في البند ١١.٢ من إيضاحات حول البيانات المالية- ٣١ ديسمبر ٢٠١٦- عقود الايجار – المحاسبة عن الترتيبات التي تحتوي على عقد ايجار، مايلي نصه( تفسير لجنة تفسيرات المعايير الدولية للتقارير المالية ٤: "تحديد ما إذا كان ترتيب يحتوي على عقد إيجار "يتعلق بتحديد الخدمات وعقود الأخذ أو الدفع والبيع أو الشراء والتي لا تأخذ الشكل القانوني لعقد الإيجار ولكن تنقل حقا للعملاء والموردين باستخدام أصل أو مجموعة من الموجودات مقابل دفعة ثابتة. إن العقود التي تلبي هذه المعايير تعرف إما كعقود إيجار تشغيلي أو تمويلي")، فالتوصيف القانوني للعقد بين أطراف العلاقة هو ما ذكر في بداية البيانات المالية لسنة ٢٠١٦ من أن الشركة في ديسمبر ٢٠١٣ قد أبرمت ترتيبات تعاقدية لبناء وتشغيل وتحويل ("الترتيبات") مع وزارة الكهرباء والماء، وهو ما يتفق مع أغراض شركة المشروع وفقا لما جاء في المادة ٦ من عقد تأسيس الشركة والمادة ٤ من نظامها الأساسي (منشور في الجريدة الرسمية- العدد ١١٤٦ بتاريخ ٢٥/٨/٢٠١٣)، وهو ما يؤكد أن توصيف العلاقة بالإيجار التمويلي/ التشغيلي قد كان لأغراض محاسبية لا أنه تكييف للطبيعة القانونية، كما أن العبرة بالمعاني لا بالمباني، ومما يؤكد ما ذهبنا إليه من أن توصيف العلاقة بأنها إيجار تمويلي/ تشغيلي غير كاف في تحديد العلاقة بين أطرافها أن اصطلاح الإيجار التمويلي / التشغيلي هو وصف عام تندرج تحته العديد من صور العلاقات التعاقدية.


وأما ما ورد بخصوص الفائدة على الايجار التمويلي، فهي تعد جزء من الحد الأدنى لدفعات الإيجار، ومن المعلوم بجواز بيع السلعة بثمن مؤجل أعلى من السعر المعجل (كما في المرابحة) ولم يزل المسلمون على هذا العمل خلفا عن سلف دون نكير(الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية – الشيخ الدكتور عمر بن عبدالعزيز المترك رحمه الله).


ولا يغير من هذا التكييف توصيف النظام الذي يحكم هذا المشروع على أنه التزام مرفق عام يخضع لتنظيم لائحي، ذلك أنه لا يمنع من تعدد النظم القانونية التي تحكم العلاقة بين أطراف المشروع في مثل هذه الحالات، حيث أنه فيما يتعلق بالنواحي التنظيمية بالمشروع فإنها تكون خاضعة للتنظيم اللائحي الذي يكون هيمنة الإدارة فيه ظاهرا في سبيل تأمين مسؤوليتها في ضمان سير المرفق العام بانتظام واضطراد، على أن تطبق إلى جانب ذلك، أحكام القانون الخاص فيما يخص المسائل الحقوقية التي تخضع لسلطان الإرادة ويكون فيها أطراف العلاقة في مراكز قانونية متساوية (النظام القانوني لعقد B.O.T ومدى خضوعه لقواعد القانون الخاص – دكتور ياسر أحمد كامل الصيرفي، النظام القانوني لعقود البناء والتشغيل ونقل الملكية B.O.T وطرق تسوية منازعاتها- المحامي بإدارة الفتوى والتشريع مرسال سعد الماجدي).


وبناء على ما تقدم، فإنه لا يظهر لنا سوى ترجيح أن تكون العلاقة التعاقدية بين شركة المشروع والدولة يحكمها في جوانب تقديم الخدمة التزام المرفق العام، وفي جوانب المسائل التعاقدية أحكام عقد المقاولة وأن ما تحصله شركة المشروع من الدولة هو قيمة تكاليف إنشاء وتشغيل وصيانة المشروع.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل،،،
د. عبدالعزيز ابوخشبة

تعليقات

اكتب تعليقك