هل ازدادت سعادة البشرية؟.. يتسائل حامد الحمود

زاوية الكتاب

كتب د.حامد الحمود 181 مشاهدات 0

د. حامد الحمود

القبس

هل ازدادت سعادة البشرية؟

د. حامد الحمود


طرحت استبياناً من خلال تويتر وذلك من خلال إبداء الرأي حول النتيجة بأن «سعادة البشرية ازدادت على مر العصور»، وسألت المتابعين إن كانوا يتفقون مع هذه النتيجة أم لا؟ وقد أجاب على الاستبيان نحو الأربعين، فاتفق معها %57، ورفضها %43. وموضوعي حول السعادة عبارة عن حوار أو نقاش مع هؤلاء الـ%43 الذين رفضوا النتيجة.

بداية، لا بد من التوضيح أن ميل كاتب هذه السطور للنتيجة بأن سعادة البشر قد ازدادت نابع من رؤية تأملية لحالة البشر منذ 500 عام مثلاً، وما حدث عليها من تغيرات أدت إلى رفع مستوى سعادتهم. وإذا فرضنا أن مكونات السعادة هي: الحياة (معدل العمر)، الصحة والحرية، ويأتي ضمن هذه الأخيرة الشعور بالاطمئنان. وعلى الرافض لفكرة أن سعادة البشرية قد ازدادت أن يحيِّد الوضع الحالي للسوريين أو العراقيين أو الليبيين، الذين تدهورت حياتهم في السنوات الأخيرة. فتساؤلنا كان عن سعادة البشرية ليس لبلد محدد. ويمكن قياس السعادة بطريقتين: إما أن نسأل عينة واسعة من الناس عن درجة سعادتهم أو غضبهم في وقت ما، أو أن نحلل الوضع الاقتصادي والأمني والاجتماعي لبلد ما.

هذا ويناقش ستيفن بنكر Steven Pinker أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد، مفهوم السعادة ضمن كتابه الأخير «التنوير الآن»، مكرسا فصلا له. وضمن هذا الفصل ينقل لنا نتائج استبيان «التقرير الدولي للسعادة لعام 2016»، حيث أجاب على السؤال: هل أنت سعيد؟ الألوف من 150 دولة، وكانت النتيجة أن أجاب أكثر من %50 بأنهم سعداء جدا. ولوحظ وجود رابط قوي بين ارتفاع معدل الدخل في البلد وزيادة السعادة. ولوحظ أنه في الدول الأوروبية ازدادت السعادة بشكل أوضح خلال الفترة 1973 – 2009، وهي الفترة التي زاد فيها معدل دخل الفرد. كما لوحظ أن السعادة بشكل عام تزيد بمعدل الزيادة في العمر. هذا كما تبين أن نتيجة التأثير على السعادة بازدياد الدخل، يكون نسبيا. فزيادة بمبلغ ألف دولار على الدخل السنوي في دولة فقيرة يضيف أكثر إلى السعادة من الزيادة نفسها في دولة غنية.

ولكن عندما يتساوى الدخل والصحة ومعدل العمر بين الناس، من ذا الذي سيكون أسعد بينهم؟ هنا ننطلق إلى نقاش مستوى أرقى من السعادة يتعلّق بإيجاد معنى للحياة. فالوعي الإنساني لدى البعض لا يكتفي بدخل عال وحياة مرفهة وصحة جيدة، وإنما يكون في حالة قلق للبحث عن درجة أعلى من السعادة، أو لإيجاد معنى أو مغزى للحياة. وعادة ما يكون ذلك من خلال الخوض في تجارب قد تؤدي إلى تدهور السعادة في فترة محددة من أجل تحقيق إنجازات ترفع من السعادة المستقبلية. فهناك تضحية في تربية الأطفال مثلاً، وهناك معاناة في اختيار خطة دراسية معينة، وهناك معاناة في كتابة كتاب، ولكن هناك مكافأة متوقعة بعد هذه المعاناة. وأرى أن البشرية أو الحضارة الإنسانية قد تطورت أو انتقلت إلى مستويات أرقى نتيجة لقدرة الإنسان على وضع خطط فردية ومجتمعية يكون فيها معاناة مع الوعي بأن هناك مكافأة أو إنجاز بعد هذه المعاناة.

ولننتقل الآن إلى ما حدث من تغيرات على مستوى السعادة بين الكويتيين على مدى السبعين سنة الماضية. فكثير من الكويتيين يحلو لهم الحديث عن «السعادة المفقودة» من حياة الفريج والنومة بالسطح، وهواء الباقدير. بالطبع هذه السعادة غير قابلة لخضوع مقياس السعادة الناتج من أثر معدل الدخل والعمر والحرية التي كسبها الفرد الكويتي خلال السبعين سنة الماضية. فحياة الكويتي أصبحت مرفهة لدرجة أنها أشبه بالحلم لمن عاصر حياة الكويت قبل النفط أو قبل دولة الرفاهية. لذا ما يراه البعض بأنه سعادة مفقودة هو أقرب الى كونه «معاناة مفقودة».

لكن مع هذه الرفاهية، فإن الكويتي يعيش حالة قلق، حيث يحمل شكاً بإمكانية إدامة هذه الرفاهية. كما أن حياة الكويتي أو كثير من الكويتيين ينقصها عامل مهم يساهم في السعادة، ذلك هو أنه عندما تكتمل الحياة من ناحية تأمين الدخل والصحة ومعدل العمر، فإنها تفتقد المعنى عندما لا يتمكن الإنسان من تحقيق الذات من خلال الإنتاج. لذا، علينا أن نتعاطف حتى مع من يحصل على دخل من دون إنتاجية. فهناك شك بأن الإنسان يمكن أن يحقق السعادة من دون العثور على معنى لحياته من خلال إنجاز معين.

تعليقات

اكتب تعليقك

captcha