الإنعزال عن المجتمع الطريق إلى الفكر التكفيري.. يكتب محمد الشيباني

زاوية الكتاب

كتب 1003 مشاهدات 0


القبس

الناس بالناس..!

د. محمد بن إبراهيم الشيباني

 

قال لاروشغو، الكاتب الفرنسي: «من ظن أنه يستطيع لنفسه الاستغناء عن الغير، فهو مخطئ كثيراً، وأكثر خطأ منه ذاك الذي يظن أن الغير لا يستغنون عنه»!

قال الأوائل في أمثالهم: «الناس بالناس والكل بالله»، لا يستطيع أي إنسان أن يكوّن مجتمعاً لا يعيش فيه أحد إلا نفسه، وإلا انتفت الحكمة من خلق البشر، وهي التناسل والتعارف والعبادة لله وحده. ولو كل أحد نأى بنفسه في وادٍ أو مغارة، أو أغلق على نفسه بيته بزعمه الاستغناء عن الناس لا يريد لقاءهم أو المحادثة معهم، كيف يصير ذلك؟! لم يقع ليس في عصرنا فقط، بل حتى في العصور الماضية لم يحدث شيء من ذلك، قد يعتزل المرء مجتمعه، ولكنه مع اعتزاله لا يستطيع أن يستغني عنهم في صحة أو مرض، حزن أو فرح، بيع أو شراء، هكذا خلق الله الحياة والبشر لغاية سامية عظمى لتكاثر المجتمعات وزيادة قوتها وانتشارها، صوناً وابتعاداً عن هذا الفكر الشيطاني، وهو الاستغناء عن الناس أو الاعتزال الخطأ، وإلا انتشرت الأفكار المغلوطة والأز الإبليسي لمثل هؤلاء، فلا يعتزل أحد مجتمعاً إلا لأنه يحمل في نفسه عليه أو على أهله، الذين يعيشون من حوله شيئاً، ومن هنا نشأت فكرة تكفير المجتمعات والقيام ضد الأنظمة، عندما تجمع أصحاب هذه الأفكار في صعيد واحد، فكونوا جماعاتهم منحرفة الفكر أو التكفيرية، ثم بعد ذلك بدأوا بفكرة الاعتزال، ثم تطورت عندهم إلى تكوين الجماعة، فانخرط مع هذا وذاك كل من يحمل هذا الفكر، وهو الاستغناء عن الغير، ثم تكفير من لم يؤمن بفكرهم ثم الظهور عليه.

وهذا الفكر ليس حصراً في بعض اتباع الدين الإسلامي فقط، وإنما هو موجود في بعض أتباع الأديان الأخرى كاليهودية والمسيحية، أي في كل أتباع دين غلاة متشددون يكفرون من لم يؤمن بفكرهم أو قضيتهم!

الظن أن الإنسان يستغني عن غيره، أو أن الناس لا يستغنون عنه أمر قديم في الناس، بل في المجتمعات التي مرت في هذه الحياة الدنيا قبلنا، دافع الشخصيتين أو الإنسانين هو الكبر والاعتداد بالنفس، وانظر لو كان المجتمع البشري كله بهذه الصورة، فكيف ستكون حاله أو نهاية أمره، فهاتان الشخصيتان لا يتكون مجتمع من ورائهما ولا ترفع راية علم أو معرفة أو تعامل إنساني وتواد عن طريقهما، وإنما تروّج سوق الجهل والجهالة والتباغض والتفكك والانهيار، ثم الحقد والقتال.

ونحمد الله أن لا قيامة لهذين النموذجين في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية الحاضرة، وإن وجد فلا تعد نسبتهم شيئاً يُذكر، وهؤلاء مع تكبرهم واستعلائهم على غيرهم ومجتمعاتهم تراهم سذجاً، خفاف التفكير، وبعد النظر، سرعان ما يستغلون من قبل الآخر، يضرب بهم الآخرين في المجتمعات المتنوعة اليوم وللأسف والحزن. والله المستعان.

الوجه الباسم.

«لو أن الصالحين يجعلون صلاحهم مقبولاً، فيبدون البشر والانبساط أمام الناس، بدلاً من أن يعبسوا ويقطبوا وجوههم في فضائلهم، لكسبوا جمعاً غفيراً إلى حظائر التقى والصلاح». (حكيم).

القبس

تعليقات

اكتب تعليقك