'اتجاهات' يحلل مركزيتها في التطور الديمقراطي للكويت
محليات وبرلمانبمناسبة مرور واحد وخمسين عام على المذكرة التفسيرية للدستور
نوفمبر 3, 2013, 3:30 م 1014 مشاهدات 0
شهد الثالث من نوفمبر 1962 موافقة المجلس التأسيسي في جلسته السادسة والعشرين على المذكرة التفسيرية للدستور الكويتي، بعد مناقشة مستفيضة لتلك الوثيقة التي أعدتها لجنة إعداد الدستور المنبثقة عن المجلس التأسيسي، بحيث تم رفعها في 9 نوفمبر من نفس العام إلى سمو أمير البلاد حينذاك الشيخ عبدالله السالم الصباح.
وقال مركز اتجاهات للدراسات والبحوث في تقرير صدر عن المركز بهذة المناسبة تتضح أهمية تلك المذكرة الخاصة بالدستور لأنه يعد مؤشرا رئيسيا على التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في الكويت حيث يضع من القيود التي تحمل صفة الإلزام بالنسبة للحاكم والمحكوم وتوفير الضمانات اللازمة لعدم إساءة استخدام السلطة.
وأثار الجدل حول حدوث تغيير كلي أو تعديل جزئي في متن الدستور خلال سنوات السبع الأخيرة إلى عودة الدستور إلى مكانته اللائقة في الوعي العام لدى الكويتيين، مما يعكس إدراك دوره في تنظيم شئون الدولة والمجتمع. وكان من شأن هذا النقاش الواسع نشر الثقافة الدستورية والوعي بمواد الدستور وبالقضايا الخلافية بشأنه لدى قطاعات مجتمعية في الكويت، وهو ما يطلق عليه البعض 'الحضور الدستوري' بمعنى أن يكون الدستور حاضرا في الوعي ومرشدا في السلوك وموجها عند اتخاذ القرار، ذلك أن العبرة في نهاية الأمر ليست بالنصوص، ولكن بتطبيقها في الواقع على مستوى الدولة والمواطنين، ونزول قيم الدستور ومبادئه إلى أرض الممارسة والواقع بحيث يمكن وصفه بالدستور الحر.
مفهوم الدستور
بداية، يعرف الدستور في الكتابات بأنه 'الوثيقة التي تتضمن فلسفة الحكم واتجاهاته الرئيسية في مجال الحقوق والحريات وتنظيم السلطات العامة واختصاصاتها وعلاقاتها ببعضها البعض'. وهو القانون الأسمى في الدولة، فهو قانون القوانين. لذا، فإنه يسمو على كل ما عداه ولا يمكن لأي قانون أو قرار بغض النظر عن الجهة التي تصدره أن يخالف الدستور، ويخضع الجميع لأحكامه. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكويت تعد من الدول ذات الخبرة الدستورية العريقة، حينما سبق أن أشاد سمو الأمير في خطابه الأول بعد توليه مسند الإمارة بمجلس الأمة بتاريخ 29 يناير 2006 بـ 'التجربة الرائدة في العمل الدستوري' و'النظام الدستوري الراسخ' و'تكريس الشرعية الدستورية'.
الشرعية الدستورية
وقد اتضح في المذكرة التفسيرية لدستور دولة الكويت التأكيد على استناد الحكم على ما يسمى بالشرعية الدستورية، وهي خضوع ممارسة السلطة في الكويت بواسطة كل هيئات ومؤسسات الدولة لأحكام الدستور والقانون، ويتضمن ذلك: احترام هذه الهيئات والمؤسسات لاختصاصاتها، وكيفية ممارستها لها، وعدم خروجها عن حدود السلطات التي خولها لها الدستور والقانون. ومقتضى ذلك أن جميع الهيئات والسلطات في الدولة تستمد وجودها وشرعيتها من الدستور، وأن عدم التزامها بنصوصه يعني فقدان شرعيتها.
كما ترتبط الشرعية الدستورية باستقلال السلطة القضائية، ويقصد بها استقلال القضاء التي عهد بها إليه الدستور، وهي الفصل في المنازعات على اختلاف أشكالها، وأنه لا سلطان على القضاء في عمله غير سلطان القانون، لأن استقلال القضاء هو الضمانة الأساسية لحماية الحقوق والحريات العامة. ويرتبط ذلك أيضا بمبدأ حماية الحقوق والحريات العامة، والذي يعمي أن لكل مواطن حقوقا وحريات أساسية على المستويين الفردي والجماعي، وأن هذه الحقوق والحريات تمثل قيمة اجتماعية سامية يحميها الدستور والقانون. كما تمثل ضابطا على ممارسة السلطات العامة في الدولة لاختصاصاتها، لا يجوز لها أن تتخطاه إلا في الحدود وبالطريقة التي يحددها الدستور والقانون.
وظائف الدستور
يقوم الدستور بثلاث وظائف رئيسية، هي: وظيفة رمزية بمعنى الإشارة إلى لغة الدولة والدين والعاصمة والقيم الأساسية للمجتمع، ووظيفة حقوقية بمعنى النص على الحقوق والحريات العامة، ووظيفة تنظيمية بمعنى تحديد القواعد المنظمة للعلاقة بين السلطات واختصاصات كل منها. وهكذا، فإن الدستور هو الوثيقة التي تمثل الرضاء أو التوافق العام بين أطراف الجماعة السياسية، كما تدل على التوازن بينها بما يحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي. فالدولة العصرية، هي 'دولة القانون والدستور والمؤسسات'. وتتجلى أهمية الدستور الكويتي في كفالته للمواطنين الحقوق والحريات المعترف بها في دساتير البلدان الديمقراطية والمتعارف عليها عالمياً، بحيث إن الدستور جعل التحول نحو الديمقراطية في الكويت 'مسار' وليس 'قرار'، يهدف إلى الحد من تغول أحد السلطات على غيرها مع إحداث قدر من التوازن فيما بينها، وهو ما يعرف في أدبيات النظم السياسية المقارنة بـ check and balance.
مشكلات تجاوز الدستور
حرصت المذكرة التفسيرية للدستور على توصيف النظام السياسي الكويتي بأنه خليط بين النظامين الرئاسي والبرلماني، وهو ما يمثل إشكالية رئيسية نظرا لبروز سمة 'عدم التعاون' بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فقد شهدت الكويت خلال الأعوام الماضية، أزمات متلاحقة بين الحكومة ومجلس الأمة، والتي تنتهي باستقالة الحكومة أو بحل المجلس، بحيث تراجع متوسط عمر الحكومات من عامين إلى أقل من ستة أشهر، وتراجع متوسط مدة مجلس الأمة من 4 أعوام إلى أقل من عام، فالأزمات السياسية المتلاحقة التي تشهدها الساحة الكويتية تمر بنفس الوتيرة في المرة التي تسبقها، حيث تتعدد الأزمات مع كل خلاف أيا كان حجمه، ولا يملك مجلس الأمة إجبار الحكومة على التراجع عن قراراتها سوى اللجوء للاستجواب، بالتوازي مع شن حملة إعلامية واسعة النطاق لتأليب الرأي العام الداخلي على الحكومة في الموضوع محل الخلاف. ورغم أن طلبات بعض النواب تكون مبررة في بعض الأحيان إلا أنها تكون في بعض المرات غير مبررة ، حيث يتم استخدام الأدوات الديمقراطية (مثل الاستجواب) دون التدرج في استخدام الأدوات الدستورية.
وهناك من المؤشرات الفعلية بشأن الخروج على أسس الوحدة الوطنية والحريات الفكرية التي تتمتع بها الكويت منذ عقود طويلة، حيث يتم توظيف بعض الوسائل والأدوات واستخدام مساحات الحرية في خدمة أجندات ضيقة، وتؤدي إلى التفرقة بين المواطنين، كما إن الممارسات والصلاحيات التي من شأنها تعزيز الديمقراطية وإقرار مزيد من الحريات السياسية جاءت استناداً إلى الدستور وعملاً بمبادئه ونصوصه وروحه والتي تؤكد جميعها على أنّ نظام الحكم ديمقراطي. كما أنها تمكنت من الخروج من الأزمات الحادة والمواقف العصيبة التي مرت بها من خلال اللجوء إلى الدستور والتمسك به والاحتكام إلى نصوصه، لكن الممارسة العملية في السنوات الماضية تشير إلى وجود تجاوزات بشأن 'قدسية الدستور' لا يستهان بها بما يؤدي إلى تشويه التجربة الديمقراطية في الكويت.
آليات مواجهة تجاوز الدستور
إن تحليل ما جاء في المذكرة التفسيرية يوضح إن الدستور الكويتي يؤسس السلطة ويسأل الحكم ويحمي الحريات ويكفل مشاركة المجتمع ويقيم نظاما ما لإيجاد توازن بين السلطات بما يمنع انفراد واحدة فيها بالحكم. ومن ثم، فإن مواجهة التيار أو الفريق السائد في البلاد والذي يقود حملات موسمية لتجاوز الدستور الكويتي، تتم من خلال مضي سلطات الدولة قدما في اتجاه إرساء دعائم دولة القانون والدستور من ناحية، والسير في اتجاه التنمية المستدامة والمتوازنة من ناحية أخرى، وتعزيز صيغ التعاون بين كافة سلطات وهيئات ومؤسسات الدولة
تعليقات