الفضيحة المليونية غيض من فيض الإفساد السلطوي، والخافي أعظم والآتي أدهى وأَمَرّ!.. فحوي مقالة أحمد الديين
زاوية الكتابكتب سبتمبر 4, 2011, 12:44 ص 245 مشاهدات 0
عالم اليوم
كتب أحمد الديين
الوضع السياسي الكويتي في مساراته وتوجهاته وصراعاته واستقطاباته ونتائجه وتقدمه وتعثّره وتراجعه كان منذ الاستقلال ولا يزال إلى يومنا هذا محكوما بالتناقض الرئيسي القائم بين النهج السلطوي للمشيخة من جهة وبين متطلبات التطور الديمقراطي ومشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة من جهة أخرى.
وبالطبع فإنّ مجلس الأمة هو أحد أهم المجالات التي يبرز فيها هذا التناقض، حيث حرص الجانب السلطوي بأساليب متنوعة وعبر أشكال متعددة من التأثير والتزوير والتعطيل والضغط والتدخّل على أن يبقى هذا المجلس مجرد واجهة دستورية نيابية خاضعة للسلطة... في البدء، وتحديدا في الفصل التشريعي الأول لمجلس الأمة كان هناك توازن حرج بين السلطة والمعارضة، فقد كان هناك نواب موالاة تقليديون يمثلون الغالبية، فيما كانت هناك معارضة نيابية وطنية ذات وزن مكونة من كتلتي الحركة الوطنية بقيادة الدكتور احمد الخطيب والتجار بزعامة المغفور له عبدالعزيز الصقر رئيس مجلس الأمة الأول، والأهم أنّ تلك المعارضة كانت مسنودة خارج المجلس بحركة وطنية منظمة ونشطة تمثّلها حركة القوميين العرب على المستوى السياسي والحركتان الطلابية والنقابية العمالية على المستوى الجماهيري... وعندما احتدم التناقض بين الطرفين السلطوي والشعبي في أواخر عهد المغفور له الأمير الشيخ عبدالله السالم قدّم رئيس مجلس الأمة استقالته من منصبه ثم قدّم نواب كتلة المعارضة الوطنية استقالة جماعية من عضوية ذلك المجلس.
ولاحقا عندما خاض المرشحون الوطنيون انتخابات مجلس الأمة في فصله التشريعي الثاني التي جرت في 25 يناير من العام 1967 ضمن قوائم انتخابية مشتركة لجأت السلطة إلى تزوير الانتخابات على نحو مفضوح لتحول دون وصول غالبية نيابية غير خاضعة لها.
إلا أنّه أمام عزلة النهج السلطوي والاستياء الواسع من الأسلوب الفجّ لذلك التزوير الفاضح لم يعد بإمكان السلطة تكرار استخدامه في إخضاع مجلس الأمة للسطوة السلطوية فكان البديل المتاح أمامها هو العبث في جداول الناخبين ودعم المرشحين المحسوبين على السلطة... وكان هذا هو الأسلوب الرئيسي المتّبع.
وحدث تحوّل لاحق على ذلك الأسلوب وذلك عندما احتدم التنافس بين الأطراف السلطوية ذاتها في نهاية عهد المغفور له الأمير الشيخ صباح السالم إذ عمد أحد تلك الأطراف المتنافسة إلى توجيه ضربة قاصمة إلى الطرف السلطوي المنافس الآخر ممثلا بالمغفور له الشيخ جابر العلي السالم الذي كان يمتلك معظم خيوط التأثير على الغالبية النيابية حينذاك لقطع الطريق عليه في شأن تقرير أمر تزكية ولي العهد الجديد، فكان ذلك السبب المباشر وراء وقوع الانقلاب المباشر لأول مرة على الدستور في العام 1976 عبر تعطيل عدد من مواده وحلّ مجلس الأمة خارج الإطار الدستوري، بالإضافة إلى ما كان يمثّله ذلك من فرصة غير مسبوقة لتمرير مشروع التنقيح السلطوي غير الديمقراطي للدستور لتقليص صلاحيات مجلس الأمة وتوسيع صلاحيات الحكومة... وبعدما تمّ حسم أمر ولاية العهد خارج إطار القنوات الدستورية وفي غياب مجلس الأمة لغير ذلك الطرف الذي جرى استبعاده، وبسبب التغيرات العاصفة في المنطقة الناجمة عن الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه، وجراء المعارضة المتنامية للمشروع السلطوي لتنقيح الدستور خارج مجلس الأمة، فقد لجأت السلطة إلى أسلوب آخر تمثّل في إجراء تغيير واسع ومباغت على تقسيم الدوائر الانتخابية بإلغاء نظام الدوائر العشر واستحداث نظام الدوائر الخمس والعشرين وذلك لضمان إسقاط نواب المعارضة، وهذا ما نجحت السلطة جزئيا ووقتيا في تحقيقه.
وفي العام 1986 كررت السلطة انقلابها على الدستور لضمان تكريس نهج الانفراد الكامل بالسلطة والقرار، ولاحقا بهدف تمرير مشروع بديل للنظام الدستوري والمؤسسة البرلمانية عبر استحداث ما كان يسمى “المجلس الوطني”، ولكن الموقف الشعبي المعارض أدى إلى تكرار فشل ذلك الانقلاب الثاني على الدستور ومعه المشروع السلطوي البديل.
أما بعد التحرير فلم يعد بالإمكان اللجوء مرة ثالثة إلى الانقلاب المباشر على الدستور، فكان اللجوء المتكرر إلى بديل آخر هو طلب الحكومة أكثر من مرة وفي فترات متقاربة حلّ مجلس الأمة حلا دستوريا مع إجراء انتخابات مبكرة بهدف التأثير على تشكيل مجالس الأمة بالترافق مع أسلوب دعم المرشحين المحسوبين على السلطة ومحاولة إبعاد بعض مرشحي المعارضة أو تحجيمهم... ومع تكرار اللجوء المعتاد أكثر من مرة إلى هذا الأسلوب فمن الطبيعي أن يفقد تأثيره الحاسم... وهنا حدث الانتقال في السنوات الأخيرة إلى واحد من أخبث الأساليب وأقواها أثرا وفاعلية عبر الشراء المباشر لأكبر عدد من النواب، وليس فقط عبر دعم المرشحين في الانتخابات، شراؤهم بعد فوزهم بمقاعدهم فرادى وجماعات ومن مختلف التلاوين والميول والاتجاهات عبر ضخ ملايين الدنانير بل عشرات الملايين لضمان نجاح ما عجزت عنه أساليب التأثير والتزوير والتعطيل والضغوط والتدخلات السابقة التي جرى تجريبها قرابة نصف قرن... فالهدف السلطوي واحد والأساليب متنوعة، وما الخمسة والعشرون مليون دينار إلا غيض من فيض الإفساد السلطوي، والخافي أعظم والآتي أدهى وأَمَرّ!.

تعليقات