زايد الزيد يتحسر على الجهد الذى يبذله ديوان المحاسبة فى الكشف عن المخالفات المالية في الوزارات والمؤسسات الحكومية.. فهناك معوقات تجعل جهده ضائعا، منها عدم قدرته تحويل المخالفات للنيابة العامة وانتقائية النظرة والكيل بمكيالين من جانب النواب
زاوية الكتابكتب أكتوبر 11, 2007, 12:01 ص 621 مشاهدات 0
ديوان المحاسبة.. يا حسافة الجهد الضائع!!
زايد الزيد
يجتهد ديوان المحاسبة في كشف المخالفات المالية في الوزارات والمؤسسات الحكومية، ويعمل على توثيقها من خلال تقريره السنوي الذي يفند مخالفات كل جهة على حدة، وهو تقرير فني دقيق، يبذل فيه المراقبون الماليون، الذين يوفدهم الديوان إلى تلك الجهات، جهدا مهنيا كبيرا، يستحقون عليه الشكر والثناء.
والتقرير السنوي للديوان يعد - بحق - كنزاً من المعلومات التي تكشف خارطة التجاوزات والسرقات والاختلاسات في الوزارات والمؤسسات الحكومية، حيث يتبين للمتفحص في ثنايا التقرير، أي الجهات أكثر تجاوزا، وأيها أقل، كما يستطيع المتابع لتقارير الديوان السنوية أن يضع تحت المجهر مثلا جهة واحدة أو أكثر ليعرف أياً من المسؤولين الذين تعاقبوا على تلك الجهات، أكثر أمانة ممن سبقه منهم، أو من لحقه!!
ولكن للأسف الشديد أن هذا الجهد الكبير، يكاد يكون في معظم الأحيان، جهدا ضائعا لجملة من الاسباب، أبرزها:
أولا: أنه مهما كان حجم المخالفات أو السرقات أو الاختلاسات في إحدى الجهات كبيرا، ومهما كثرت الصفحات التي تعدد مخالفات تلك الجهة في التقرير، فإن الديوان ليس من صلاحياته أن يحيل من تلقاء ذاته أي تجاوز إلى النيابة العامة، فتلك المهمة متروكة لسلطة مجلس الأمة أوالحكومة أو الاثنين معا.
ثانيا: من الأمور المؤسفة أن تعامل أعضاء مجلس الأمة مع تقارير ديوان المحاسبة، هو تعامل انتقائي بحت، يعتمد بالدرجة الأولى على مدى متانة أو ضعف علاقة الوزير بالنواب، فالوزير الأكثر قدرة على «تضبيط» النواب، من خلال توقيع أكبر عدد من المعاملات، لأكثر عدد من النواب، هو حتما من الوزراء الذين لا يأتي النواب على ذكر مخالفات وزارتهم، أو مخالفات الهيئات التابعة لهم بتاتا، أما الوزير الذي يدقق كثيرا في المعاملات التي تعرض عليه، فيوقع على بعضها ويرفض معظمها، فإن تقارير ديوان المحاسبة تكون المادة الأساسية في ابتزازه، أو ربما أدت إلى استجوابه!!
ثالثا: بسبب عدم تمكن الديوان من إحالة المخالفات إلى النيابة العامة مباشرة، وبسبب معرفة كبار المسؤولين في الدولة لهذا التعامل الانتقائي من جانب أعضاء مجلس الأمة، تجد المسؤولين المسكوت عن تجاوزاتهم لايهمهم أن يسجل عليهم الديوان المخالفات حتى ولو كانت جسيمة لتيقنهم أن أحدا لن يشهرها في وجوههم!!
رابعا: ومن الأمور المؤسفة أيضا، أن بعض أعضاء مجلس الأمة، ومعهم أيضا بعض القوى السياسية، يكيلون بمكيالين، تجاه النظر من حيث المبدأ لتقارير ديوان المحاسبة، تقودهم في ذلك مصالحهم الذاتية الضيقة، فتارة يعتبرونها تقارير إجرائية وروتينية مكررة مهما كانت تحمل في طياتها من مخالفات مالية جسيمة، وتارة أخرى يعتبرونها مستندا مهما تكفي لإدانة وزير ما!! وأبرز مثالين على ذلك، ماحدث في استجواب الربعي في مجلس 1992، وفي الاستجواب الثاني لشرار في مجلس 2003، ففي حين قلل المدافعون عن الربعي من نواب وقوى سياسية من أهمية مادة استجوابه لأنها تعتمد أساسا على تقارير ديوان المحاسبة!! أعلت القوى السياسية «ذاتها»، من شأن استجواب شرار ومادته لأن التجاوزات موثقة في تقارير الديوان!!
ولهذه الأسباب مجتمعة، تفقد تقارير ديوان المحاسبة أهميتها رغم خطورة مضامينها، ورغم الجهد الكبير الذي يبذل في إعدادها،لأن مصيرها مرهون في تعامل النواب معها، وأعتقد أنه لو تم تعديل قانون الديوان نحو منحه صلاحية تحويل المخالفات المالية «الجسيمة» - على الأقل - إلى النيابة العامة، لاختفى من الساحة السياسية الوزراء المهزوزون، ولكفانا الله شر الانتهازيين والمبتزين من أعضاء مجلس الأمة، ولما تكررت تلك الجملة المزعجة التي لا تكاد تخلو منها صفحة من صفحات تقارير الديوان، والتي تذكر مامعناه بأنه «سبق للديوان أن نبه على هذه المخالفة في أكثر من سنة مالية دون جدوى»..!

تعليقات