د.محمد الرميحي: قراءة في مذكّرات يوسف حمد الإبراهيم

زاوية الكتاب

كتب د. محمد الرميحي 776 مشاهدات 0


لمن لا يعرف (من خارج الكويت)، كاتب المذكرات هو وزير تربية ومالية سابق، أستاذ اقتصاد، وعميد أكثر من كلية، ومستشار اقتصادي للأمير الراحل صباح الأحمد، وناشط سياسي، والمذكرات بعنوان "سيرة في بناء وطن: آمال وتطلعات، 2024".

 

يقال إن أفضل ما يكتبه الكاتب لم يُكتب بعد، والقول مجازي، أن الكتابة، بخاصة في مجتمع صغير كالكويت، لها محددات كثيرة، سياسية واجتماعية، لذلك فمن الشجاعة أن يكتب شخص تقلد كل تلك المناصب الحساسة، سيرة عملية بمعظم تفاصيلها، ولكن المؤلف أقدم على ذلك، ولو في بعض الموضوعات بالإشارة التي يفهمها القارئ الذكي.

 

كتابة المذكرات فن جديد على مجتمعات الخليج، وفي الكويت كتب كل من عبد الله بشارة ومحمد أبو الحسن مذكرات، إما عامة أو متخصصة لفترة من الزمن الوظيفي، وهي بحسب علمي من النوادر، إذ إن الجيل الذي سبق، رغم ثراء تجربته، تردد في كتابة ما مر به، وهو ليس قليلاً، كمثل المرحومين عبد العزيز حسين وعبد الرحمن العتيقي. يوسف الإبراهيم هو من الجيل الثالث (بعد بشارة وأبو الحسن).

 

قراءتي للمذكرات ليست من أجل عرض كل ما جاء فيها، بل هي قراءة سوسيولوجية، إن صح التعبير، لمجمل الكتاب والإضاءة على بعض زوايا الموضوعات التي ليست لها علاقة بالماضي فحسب، ولكن بالحاضر والمستقبل. أوجزها في محاور عدة:

 

أولاً: الكتاب يشير إلى المشكلات التي يواجهها مجتمع صغير محافظ جراء التسريع في ولوج الحداثة، والتحول من مجتمع منتج نسبياً، إلى مجتمع استهلاكي كلياً، وضغط "الوحدة الزمنية" السريعة الناتجة من هذا التسريع في التحديث، والأزمات التي مر بها المجتمع نتيجة عدم التناغم بين ما يتطلبه التحديث، سياسياً واجتماعياً، وبين ما يرغب المجتمع المحافظ في البقاء فيه، هنا تحدث فجوة في منظومة القيم الحاكمة، من قيم حديثة (تحرير المرأة مثلاً) وقيم تراثية (الخوف المرضي على التراث)، لذلك دراسة هذا التحول الضخم تحتاج إلى منهجية منفتحة ومرنة.

 

ثانياً: تتعرض المذكرات إلى فترة نشأة الكاتب في أسرة ممتدة، مترابطة، في الوقت الذي قررت الدولة إنشاء مدارس، وتثمين الدولة للمنازل القديمة، وخروج جماعات من داخل السور إلى خارجة في أحياء حديثة، ذات خدمات متكاملة، وهي الفترة الانتقالية التي صاحبت صبا الكاتب الذي يقول شاءت الأقدار أن يكون مولدي قبل عامين من هدم آخر سور للكويت القديمة عام 1957، وبدلاً من المنازل المتلاصقة القديمة، أصبحت المنازل فيلات حديثة تعيش فيها أسر مستقلة، مع انقلاب في مصادر الرزق (في حال الكاتب) من تربية وتجارة الخيول، إلى التجارة الحديثة، هنا يرسم الكتاب صورة نوستالجية للطفولة والشاب لجيله.

 

ثالثاً: في العقود الثلاثة من الخمسينات إلى السبعينات من القرن الماضي، مرت الكويت بمرحلة يسميها عبد الله بشارة "العروبة السياسية" وتجد لها صدى في مذكرات الكاتب، إذ يتحدث في مكان تحت عنوان "أنا والناصرية والتحول الفكري" عن كيف أثرت أحداث الخامس من حزيران (يونيو) 1967 وهو يافع في وعيه. في آخر يوم من امتحانات المرحلة المتوسطة، يومها، كما يصف، تم الإعلان عن بدء الحرب مع إسرائيل، "وكان المدرسون ينقلون لنا نتائج النصر الزائف، فيقول لنا مدرس: اطمئنوا سوف نلقن اليهود طعم الخسارة .. ونحن الأشبال في مقاعدنا نصرخ ونهلل: تحيا فلسطين"، اكتشاف الخسارة والتضليل اللذين صاحبا الحرب ونتاجها الكارثية، هما "بداية الجرح" كما يصف، إلا أن الطالب المشبع بالأفكار في ذلك الزمن، ما إن أعلن موت عبد الناصر 29 أيلول (سبتمبر) 1970 حتى أعلن الإضراب عن الطعام، واستمر ثلاثة أيام "حتى بدأت أفقد قواي"، كان ذلك عمق الحسرة. ذلك التضليل أعيد في المشهد العربي أكثر من مرة، وهو اليوم يشاهد في غزة.

 

رابعاً: بعد عدد من الصفحات، أخذت الكتاب إلى التعليم العالي والمشاركة في الحياة العامة، نصل إلى وسط الثمانينات، وقتها تم تعطيل الدستور والتأمت جماعة تعرف في تاريخ الكويت بمجموعة الـ"54"، وهي مجموعة من النشطاء مساندة لأعضاء البرلمان المنحل للمطالبة بعودة الدستور، وكان كاتب المذكرات من المجموعة. طبعاً حصل انشقاق في الصف الكويتي الوطني، وبدأت تلك الجماعة تنظم اجتماعات لإظهار وجهة نظرها. هنا يصف الكاتب أنه بعد أحد الاجتماعات الجماهيرية "وأنا ذاهب إلى موقف سيارتي، وقفت سيارة بجانبي وفتحت نافذتها، وقال راكبها: يعطيكم العافية. من لهجته عرفت أنه عراقي وتبين أنه السفير العراقي وقتها، ورفضت التجاوب معه حول أعمال المجموعة". هذا الدرس البليغ الذي يقدمه الكاتب، ما زال فاعلاً، ففي المجتمعات الصغيرة إن لم تسوَّ الأمور في الوقت المناسب بين الفرقاء وبالحسني، يفتح الباب مشرعاً للتدخل الخارجي، وكثير من المتابعين، يرى أن أحد أسباب الغزو العراقي للكويت عام 1990 هو الفرقة والتناحر الحاد بعد تعليق الدستور وسط الثمانينات، ما أدى إلى خواء الساحة المحلية. 

 

خامساً: ينتقل الكاتب إلى محور سماه "ظنوا أن الكويت لن تعود" وهي السرقات الكبرى التي حدثت في المال العام، وشُكلت لها لجان تقص بعد التحرير، وكان الكاتب هو الخبير الاقتصادي الذي واكب تلك اللجان، وهنا يصف بعين المتابع اللصيق تلك السرقات الكبرى التي كانت بالبلايين وبكل تفاصليها المحزنة.

 

سادساً: في فصل معنون "أغسطس الأسود والبقاء في حضن الوطن" يصف كيف استمر صامداً في الكويت، وطبيعة العمل تحت الاحتلال، وزيارة الأسرى في العراق، كما يشير إلى ملف لافت وفيه أن إحدى المحطات التلفزيونية الغربية بعد انتهاء الاحتلال مباشرة وصلت إلى منزله لإجراء مقابلة، وأصر المذيع على أن يوجه الأسئلة بالطريقة التي تنتقد فيها جيران الكويت وأنظمتها، فرفض أن تتم المقابلة، وهذا يوصلنا إلى أنه لا يوجد إعلام مجاني، بل كل له أجندة خاصة به.

 

سابعاً: العمل الوزاري، وله فصل خاص، كونه كان وزيراً للتعليم، ومن ثم المالية، إذ يرى أن هناك مجموعة من المعوقات في العمل العام، منها كما يشير أن العمر الافتراضي للوزير في العمل هو 1460 يوماً يقضي منها فقط 204 أيام في مكتبه، والباقي مقابلات وسفر واجتماعات لجان. كما يشير إلى أن الآراء الفنية والتقنية التي تقدم لمتخذ القرار لا يؤخذ بها لأسباب مختلفة، منها الضغوط السياسية والاجتماعية، والفجوة المعرفية، وبالتالي نشهد "المراوحة في المكان" والبيروقراطية الثقيلة المعطلة للتنمية، ومنها الاستخدام السلبي لقواعد اللعبة الديموقراطية حيث تنتصر المصالح الخاصة على تحقيق الخير العام.

 

خلاصة الموضوع أن ما تقدم هو فقط إشارات سريعة إلى ما حملته تلك "السيرة في بناء الوطن" والتي من المفروض أن لا تغيب قراءة الكتاب عن كل مهتم بالتطور الحداثي للكويت، إن كان ما زال أحد له الرغبة في قراءة الكتب. فمقال، حتى ولو طال، لا يفي حق هذا الكتاب الفاتح للعقول قبل العيون!

تعليقات

اكتب تعليقك