#مقال | حكمة شافي الأسعد: لغة الجاحظ والزمن

فن وثقافة

الآن 1405 مشاهدات 0


كان من المفترض أن يكون كتاب الجاحظ "البخلاء" كتاباً دافعاً إلى الضحك، فالضحك أحد أهدافه، فقد قال مؤلفه: "وأنتَ في ضحكٍ منه إذا شئت، وفي لهوٍ إذا مللت الجِدّ"؛ لكن اللغة التي تُسرد فيها حكايات الكتاب لا تساعدنا على الضحك إلّا نادراً، وقد تدفعنا إلى الابتسام بين فقرة وأخرى وبين حكايةٍ وأخرى؛ وذلك بسبب الزمن الطويل الذي مرّ على لغة الكتاب، وبسبب تغيّر الأساليب التي قد تقنعنا بالضحك، وبسبب التغيّر الكبير في تلقي هذه الحكايات بين زمن الجاحظ وزمننا، وربما أكون مبالغاً إذا أضفت: وبسبب أن الجاحظ ليس كاتباً "كوميدياً"، فالإضحاك ليس من أساليبه المعتادة، خصوصاً أنه كتب هذا الكتاب في أواخر حياته بعد أن أقعده المرض
لكن الجاحظ نفسه أقرّ بأنّ كتابه هذا خاصٌّ بفئةٍ مثقّفةٍ بثقافة معيّنة، فقال: "وليس هذا الكتاب نفعُه إلّا لمن روى الشِّعرَ والكلامَ، وذهبَ مذاهبَ القوم، أو يكون قد شدا منه شدواً حسَناً"
وسبق للجاحظ أن أشار بتأثّرٍ، في كتابه "البرصان والعرجان"، إلى أن جانباً من كتاباته خاصٌّ وصعبٌ، فكأنه مكتوب للعلماء، فقال: "وأنا أعلم أن عامة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي لا يعرف معاني هذه الأشعار ولا يفسّر هذا الغريب، ولكني إنْ تكلّفت ذلك ضُعِّفَ مقدارُ كلّ كتابٍ منه، وإذا طال جداً ثقُلَ، فقد صرتُ كأني إنّما أكتبها للعلماء. والله المعين"
فإذا كانت كتابة الجاحظ صعبةً على أهل زمنه فكيف ستكون على أهل زمننا؟
لكن نفسي ترفض هذا التساؤل، لأننا في الحقيقة نفهم معظم ما كتبه الجاحظ (أقصد هنا الفهم الظاهر لا التأويل البحثي)، مع الحاجة إلى تفسير بعض الشعر والغريب كما قال. وهذا يشجّعني على التساؤل عن حقيقة وجود فوارق كبيرة في التلقّي العام بين زمننا وزمنه.

*حكمة شافي الأسعد أديب وكاتب سوري قدير تسعد صحيفة "الآن" بنشر مقالاته الأدبية القيمة شاكرين ومقدرين تواصله.

تعليقات

اكتب تعليقك