مبارك الجري : تونس بحاجة إلى ثورة جديدة تتجاوز الصراعات الأيديولوجية الضيقة ، وتنتقل من مساحة الخطابات والتنظير والحماس السياسي إلى داخل مؤسسات الدولة

زاوية الكتاب

مبارك الجري 340 مشاهدات 0


القبس

بعد مرور ثماني سنوات على الثورة التونسية، ما زال اقتصاد تونس لم يشهد أي تطور وتعافٍ ملحوظ، وعلى سبيل المثال القطاع السياحي ليس بأفضل حالاته، والديون الخارجية والعامة تجاوزت سقف 100 ألف مليون دينار تونسي، وفضلاً عن ذلك يشير تقرير البنك الدولي «الآفاق الاقتصادية في تونس» إلى أن معدل الفقر قد يصل إلى 17 في المئة من مجموع السكان في تونس (مليوني تونسي)، إذا لم تستطع الحكومة التونسية القادمة مواجهة مخاطر وتحديات اقتصاد البلاد. ولكن من سيقود تونس في إدارة تلك الأزمة؟ هل هو ذلك البرلمان الذي عززت نتائج انتخابه حالة التشتت السياسي؟ أم أن هذه الحالة ستتغير بعد نتائج الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية في يوم الاحد 13 أكتوبر 2019؟ >

ذكرت في مقال سابق أن الانتخابات التشريعية لا تقل أهمية عن الانتخابات الرئاسية لطبيعة النظام السياسي المختلط في تونس، الذي حرص على التوازن ما بين المؤسسة البرلمانية والمؤسسة الرئاسية. ولكن يبدو أن هناك اضطراباً سياسياً قادماً سيؤثر على ميزان القوى في ظل تكوين البرلمان الراهن. وكما هو واضح من نتائج الانتخابات التشريعية لن يستطيع حزب واحد أو حتى حزبان الحصول على الأغلبية اللازمة (109 نواب) لتشكيل الحكومة. 

وهذا يضع تونس أمام برلمان أقليات لا خيار له إلا الحكومة الائتلافية أو إعادة الانتخابات التشريعية مرة أخرى، كما هو واضح في الدستور التونسي. واعتقد أن مثل هذه الحكومات يصعب عليها إدارة ملفات معقدة، أكثرها الملف الاقتصادي المتراكم منذ عهد بن علي وحتى الوقت الراهن. 

كما أن طبيعة وطريقة أسلوب التفاوض الجاري الآن ما بين الأحزاب السياسية باختلاف حجمها البرلماني ـ لا سيما حركة النهضة (52 مقعداً) وحزب قلب تونس (38 مقعداً) والتيار الديموقراطي (22 مقعداً)، وائتلاف الكرامة (21 مقعداً)، والحزب الدستوري الحر (17 مقعداً)، وحركة الشعب (16 مقعداً)، وحركة تحيا تونس (14 مقعداً) ـ مؤشران واضحان على صعوبة التوافق لتشكيل الحكومة القادمة، وخاصة بعد رفض حزب قلب تونس الدخول في تحالف حكومي مع حركة النهضة، وإعلان الأخيرة عن دعمها للمرشح قيس سعيّد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. 

تونس بحاجة إلى ثورة أخرى، لا تشبه على الإطلاق ثورة يناير، ثورة تتجاوز الصراعات الأيديولوجية الضيقة والتصنيفات السياسية، وتنتقل من مساحة الخطابات والتنظير والحماس السياسي إلى داخل مؤسسات الدولة، حتى تتمكن من معالجة جذور الإشكالات الاقتصادية بالمقام الأول وما يتفرع منها من إشكالات أمنية واجتماعية، لأنها السبيل الوحيد لتأمين الانتقال الديموقراطي، الذي يمر في أصعب محطة منذ عام 2011. 

وبدا واضحاً في الحملات الانتخابية السابقة من دون استثناء، أن رؤى الأحزاب السياسية وبرامجها الاقتصادية غير عميقة ولم تقدم حلولاً علمية دقيقة لتردي الوضع الاقتصادي وتداعياته في تونس، وخطاباتها في هذا الشأن كانت شديدة العمومية وغير واضحة، وهذا ما يشكل المعيق الرئيس لثورة المؤسسات. تونس ستختار رئيسها اليوم، وهي أمام مرشحين، إما الأكاديمي والمستقل قيس سعيّد، أو رجل الأعمال نبيل القروي رئيس حزب قلب تونس الذي تأسس في يوليو الماضي، كما أنه كان من أبرز مؤسسي حزب النداء، وكلا الحزبين يمكن وصفهما بـ«أحزاب ردود الأفعال، وهي عادة تكون هجينة».

 نجاح سعيّد ووصوله إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية يعبّر عنه حالة فقدان قطاع عريض من الشباب بتنوع أفكاره وتوجهاته الثقة بأداء الأحزاب السياسية ودورها في الإصلاح السياسي، هؤلاء استقطبهم سعيّد عبر استراتيجية تغيير المؤسسات من الداخل وقوانينها.

أما القروي فسخّر إمكاناته الإعلامية عبر قناة «نسمة» لتمهيد الطريق الذي أوصله إلى المرحلة الحالية بغض النظر عن أسباب إيقافه، وركز على الطبقات الفقيرة وخصص برنامج «خليل تونس» لتسليط الضوء عليها، وهذا ما دفعه إلى استخدام الجمعيات الخيرية كمدخل لاستقطاب أكبر عدد ممكن من هذه الفئة، وهذا ما حصل. 

وبعد المناظرة الرئاسية الأخيرة التي جمعت كلاً من سعيّد والقروي، اعتقد انه اتضح للشعب التونسي أنه أمام طريقين إما الإصلاح المؤسسي، أو العودة إلى مربع المنظومة القديمة، خاصة بعد نتائج البرلمان الأخيرة.


تعليقات

اكتب تعليقك