#جريدة_الآن أ. د. عبداللطيف بن نخي: الكثير من السياسيين الكويتيين يعانون من الانفصام السياسي

زاوية الكتاب

د. عبد اللطيف بن نخي 405 مشاهدات 0


الراي

في الدول التي تتبنى أو تمارس الديموقراطية - باختلاف أنماطها - غالباً ما يتم قياس كفاءة الأداء السياسي للبرلمان من خلال مؤشر الرفاهية في البلاد، وهو مؤشر يعتمد على ثلاثة معايير أساسية: توافر الحاجات الضرورية كالسكن والصحة، ومستوى الازدهار (ومن مقوماته التعليم)، وضمان حقوق وحريات الإنسان ومدى التسامح في المجتمع.
التطبيق العالمي والكويتي لقياس كفاءة البرلمان عبر مؤشر الرفاهية وإن كان جيداً من حيث المبدأ، إلا أنه كثيراً ما يكون مضللاً في قراءة كفاءة البرلمانات، خصوصاً تلك التي تحظر الأحزاب السياسية كما في الكويت. لذلك علينا نحن كناخبين التعاطي بوعي وحذر مع تصريحات السياسيين - الإيجابية منها والسلبية - تجاه أداء البرلمان وفق مؤشر الرفاهية.
فمن جانب هذا المؤشر مرتبط بعوامل خارجية، ومن جانب آخر بتشريعات وأنشطة برلمانية سالفة. فعلى سبيل المثال - بالنسبة للجانب الأول - المنافع الاقتصادية المحلية ابان ارتفاع سعر برميل النفط في الأسواق العالمية إلى ما يقارب 150 دولاراً، لا يمكن تسجيلها لصالح البرلمان الكويتي آنذاك. ومن باب المثال على الجانب الثاني، لا يمكننا محاسبة البرلمان الحالي على حالات اعتقال ومحاكمة وسجن المغردين التي تتم هذه الأيام وفق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي يتضمن عقوبات عديدة بالسجن تصل ثلاث منها إلى عشر سنوات، لأن هذا القانون أقر من قبل مجلس 2013.
والأهم مما سبق، هو أن مؤشر الرفاهية في الكويت يتم استخدامه من دون نزاهة! فالكثير من السياسيين الكويتيين يعانون من الانفصام السياسي. فمن يدعو اليوم - كمرشح - إلى التعددية الدينية، كان قبل سنوات - كمتسلق وقنّاص مناصب - يَنعت بالطائفية المطالبات بالتصدي لبعض صور التمييز. ومن يطالب اليوم ببسط ولاية القضاء على شؤون الجنسية، أيد وبارك قبل سنوات سحب الجناسي من مخالفيه. ومن ينادي اليوم بحرية التعبير وإبداء الرأي، تبنى قبل سنوات قوانين لكبح الحريات. ومن ينتقد اليوم سوء التخطيط الاستراتيجي، كان قبل سنوات أحد القياديين في منظومة التخطيط. ومن يشتكي هذه الأيام من فقدان القيم الاجتماعية، كان قبل سنوات أحد أطراف توجيه الانماء الاجتماعي. ومن يهتف اليوم ضد سرّاق المال العام، لم يجدد له قبل سنوات في مناصب قيادية بسبب شبهات بتعدّيه على المال العام. هؤلاء جميعهم حريصون خلال المرحلة الحالية على نشر أوجه قصور حقيقية ومفبركة من طرف البرلمان، ليس بقصد تشخيص مواقع الخلل ثم تقويمها، بل من أجل ترسيخ الشعور باليأس من البرلمان في المجتمع، وللمشاركة في كيكة الفساد أو لاستعادة مواقعهم ومنافعهم التي فقدوها كلياً أو جزئياً.
لا أقول إن المجلس الحالي مثالي، لأنني أساسا لا أحتمل وجود برلمان في العالم غير مخترق من قبل قوى فساد. ولكنني أرى أنه رغم عيوبه ومفاسده إلا أنه من أفضل المجالس في تاريخ الكويت، لأنه ساهم كثيراً في تحجيم القوى الإقصائية واحتواء الاحتقان الطائفي وتعزيز التسامح في المجتمع ورفع حواجز عن تشريع قوانين طال انتظارها.
إصلاح وتطوير الأداء البرلماني واجبان وطنيان، ولكنهما لن يتحققا بأيادٍ ملوثة. بل لا يمكن تحقيقهما إلا بعد التصدي لهذه الأيادي الملوثة وبتر مشاريعها، وفي مقدمتها مؤامرة زرع اليأس من البرلمان لكي يتمكنوا لاحقاً من اختطافه. فلنتصد لهذه المؤامرة بتعزيز الأمل في إصلاح البرلمان، فهو بوابة الشعب الدستورية لإصلاح وتطوير الوطن... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

تعليقات

اكتب تعليقك