#جريدة_الآن - د. عبداللطيف بن نخي يكتب عن الأزمة المالية العالمية وإسقاط قروض المواطنين

زاوية الكتاب

كتب د. عبد اللطيف بن نخي 331 مشاهدات 0


الراي:

قبل عشر سنوات تقريبا، تعرض العالم لأزمة اقتصادية عالمية، خلفت الكثير من الفقراء والعاطلين عن العمل وتسببت في انهيار العديد من البنوك والمؤسسات المالية الكبرى في العديد من دول العالم، وكادت أن تتسبب في انهيار الاقتصاد الأميركي، وكساد الاقتصاد العالمي.
شرارة الأزمة الاقتصادية العالمية جاءت من كارثة الرهن العقاري في الولايات المتحدة. الكارثة التي ظهرت حين عجز الكثيرون من ذوي الدخل المحدود عن تسديد الدفعات الشهرية المستحقة نظير قروضهم الاسكانية. حيث إن انخفاض سعر الفائدة في العام 2004، في بداية الفقاعة العقارية، وتساهل البنوك والمؤسسات المالية في منحهم قروضا عالية المخاطر، شجعهم على الاقتراض لشراء منازل، بضمان المنازل ذاتها، وبأقساط ثقيلة عجزوا عن دفعها لاحقاً، خصوصاً بعد رفع سعر الفائدة، وتباعاً زيادة قيمة القسط الشهري بالنسبة للقروض العقارية ذات سعر فائدة متغير.
بعد موافقة الكونغرس الأميركي، تم إنفاق ما قارب 700 مليار دولار لتنفيذ خطة انقاذ مالي، تضمنت شراء أصول متعثرة، وتوفير النقد مباشرة للبنوك، ومساعدة المقترضين المتعثرين عن طريق رفع سقف القروض العقارية مقابل ضمانة عامة. وبفضل هذه الخطة، تمكنت الحكومة الأميركية من التعافي من الأزمة الاقتصادية، بمقتضى الأرباح التي جنتها من بيع الأصول - التي اشترتها أثناء الازمة - بعد تعافي السوق.
بشكل متزامن مع الكارثة الأميركية، عانينا في الكويت من أزمة مشابهة في أسبابها ونتائجها ومنهجية الدولة في معالجتها. فالعديد من المواطنين اقترضوا من البنوك الكويتية بسعر فائدة متغير، بأقساط شهرية تعادل نصف مدخولهم الشهري، فتعثروا مالياً بعد أن رفع البنك المركزي سعر الفائدة. حيث تفاجأ الكثير منهم بأن مديونيتهم تفاقمت، بسبب الفوائد المركبة، رغم التزامهم بسداد الدفعات الشهرية وفق عقد الاقتراض.
ومن أجل معالجة أزمة القروض، شرّع المجلس قانونين في شأن إنشاء صندوق لمعالجة أوضاع المواطنين المتعثرين في سداد القروض الاستهلاكية والمقسطة تجاه البنوك وشركات الاستثمار: رقم 28 لسنة 2008 ورقم 51 لسنة 2010. القانون الثاني صدر لتدارك جوانب القصور في القانون الأول. كما صدر قانون رقم 28 لسنة 2014 لتعديل نص المادة 11 من القانون الثاني.
وبموجب هذه القوانين، تم إنشاء الصندوق، وتم تمويله من الاحتياطي العام للدولة، بغرض شراء مديونيات المتعثرين، كقرض يدفعونه إلى الصندوق - عبر البنوك - على أقساط شهرية من دون فوائد. وأيضا وفق المواد (15-17) من القانون الثاني، تمت تسوية تجاوزات البنوك على قرارات وتعليمات البنك المركزي لصالح المتعثرين. الشاهد أن سياسة المعالجة الكويتية كانت كالأميركية مبنية على مساعدة المتعثرين وتقويم النظام المالي.
قبل ما يزيد على الشهر، انطلقت حملة جديدة للمطالبة بإسقاط القروض. ورغم تعاطفي مع الكثير من حالات الاقتراض، إلا أنني أستبعد أن تنجح حملتهم في تشريع قانون جديد لإسقاط القروض أو فوائدها. فمن جانب مبررات الحملة ليست عامة، ومن جانب آخر الفكرة مرفوضة من قبل المختصين الاقتصاديين.
فمقابل من تعثروا بسبب تكاليف بناء بيوتهم، هناك نظراء لهم - من حيث القدرة المالية - اقترضوا وسكنوا في بيوتهم من دون تعثّر. ومقابل من يطالب بإسقاط قرضه لأنه اقترض لمعالجة أحد أقاربه، هناك رعاية صحية مجانية داخل وخارج الكويت. ومقابل من يطالب بإسقاط قرضه لأنه اقترض لتعليم أبنائه، هناك خدمات تعليم مجانية، من مرحلة الروضة إلى درجة الدكتوراه، داخل وخارج الكويت. لا أدعي أن الرعاية والخدمات الحكومية مثالية، ولكنها كافية لإضعاف حجة المطالبين بإسقاط القروض.
وعلى الجانب الآخر، نجد أن الجمعية الاقتصادية الكويتية تحذر من مغبة اقتراح شراء الدولة للقروض، لأنه يعزز فلسفة الدولة الريعية ويرسخ مبدأ اللجوء إلى الاحتياطي العام لمعالجة أزمات حالية على حساب الأجيال القادمة. كما أن العديد من الشخصيات الاقتصادية البارزة رفضت مبدأ إسقاط القروض، بحجة أنه يكلف ميزانية الدولة مليارات الدنانير، بلا منفعة مستقبلية. المراد أنه لكي تنجح حملة اسقاط القروض، يجب أن تقترن بمصلحة عامة، على مستوى الدولة.
هناك حاجة لتوثيق حالات المتعثرين، لمعرفة ودراسة أسبابها وأبعادها. فيجب معالجة الأسباب لمنع تكرار مثل هذه الازمة، ويجب فهم أبعادها قبل أن تتفاقم أكثر وأكثر. فحالات التعثر المالي تربك الأسر وتفككها، وإن كثر عددها تضعف المجتمع، فالأسرة أساس المجتمع. لذلك على الدولة رعاية المتعثرين بالسرعة الممكنة وبالقنوات والآليات المتاحة لديها... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

تعليقات

اكتب تعليقك