د. محمد السبيعي يكتب: لولا وزير الإعلام الحالي لما عرف أدعياء الثقافة جلال الدين الرومي

زاوية الكتاب

كتب د. محمد السبيعي 279 مشاهدات 0


الجريدة:

وزير الإعلام الحالي هو العنصر الديمقراطي الوحيد في حكومته؛ فالتعيين الحر لم يكن أساس توزيره، شأن زملائه في الحكومة، بل جاء ذلك التزاما دستوريا على صانع الحكومة بتطعيم فريقه بصوت الشعب. فالرجل من ناحية ما صاحب فضل على الحكومة، إذ لولاه لم تكن، وهو من ناحية أخرى أيضا صاحب فضل على عدد من مثقفي هذا البلد، وإن كان ذلك عن غير قصد منه، فلسبب من سوء إعداد من فعل معاونيه أصبح هذا النفر من المثقفين، ومنهم من يدّعون ثقافة، أصبح هؤلاء فجأة على معرفة بمن يكون جلال الدين الرومي، اسم لم ينقطع تردده على ألسنتهم منذئذ. الغريب في أمر مثقفينا أن كثيرا ممن انبروا لشأن الرومي هم ممن لا يكف في كل حديث أو سطر عن ترديد العقلانية وأخواتها، في حين كان الرومي بشطحاته المعروفة أحد كبار دعاة تغييب صريح للعقل في التصوف الإسلامي.

على أن هذا في الحقيقة ليس ببيت القصيد في هذا المقال، فموضوعنا هنا يحوم حول تنادي المثقفين لنصرة الكتاب من طغيان مقص الرقيب في الوزارة، ذلك على حد زعمهم، واستنكارا لقرارات تصدر بحظر هذا الكتاب أو ذاك من التوزيع والانتشار، وقد أخذ هذا التنادي ذروته هذا العام بدعوى بلوغ قائمة الحظر نحواً من أربعة آلاف كتاب. والحق أن هذا الرقم لا يجزعني كثيرا على مصير المعرفة والتنوير في المجتمع، فما دام الخلق في ازدياد وعدد المتعلمين في ارتفاع وتكاليف الطباعة في انخفاض، بل قبل هذا وذاك ما دامت حاجة الكاتب من وراء التأليف هي تحقيق الذات لا التنوير ونشر المعرفة، فلن أعجب إن بلغ العدد في القادم من السنوات عشرات الآلاف.

على أية حال فإن إنصاف الوزير وحقيبته وفريق عمله من لوم يكال إليهم سيكون على مستويين، فهناك المستوى الوظيفي الذي يشير إلى دور تتبوئه الوزارة في النظام السياسي. فالوزارة جهة تنفيذية بامتياز، لا يخرج اختصاصها عن تطبيق قوانين الجهاز التشريعي؛ فإذا كان قانون الحظر أو القرار الإداري الصادر بموجبه منبثقا عن سلطة تشريعية فليس الوزير بمسؤول عن هذا وذاك بقدر ما هو مسؤول أمام البرلمان عن عدم تطبيق القانون أو إجازة ما يخرج عن التشريع مما يخدش الذوق العام أو يشوه النسيج الاجتماعي، ذلك المحبب إلى نفوس الكويتيين. فمعارضة الوزير أو مناكفته في هذا الشأن نوع من المراهقة أو لعلها في سياق الرومي شطحة في غير محلها، بل على صاحب المعارضة أن يتوجه بالمحاسبة إلى المجلس التشريعي.

ومع ذلك، وتهوينا للأمر فإن مثل هذا الدور الرقابي للوزارة وقرار تتخذه بناء على تشريعات صادرة عن جهات عليا يمثل فهم المجتمع لذاته وتحقيق مصلحته في طريق يختطه لنفسه، أقول مثل هذه الأمور لا تكاد دولة أو مجتمع في الشرق أو الغرب على حد سواء يخلوان منها، فالكل يعلم أن هناك حظراً لثمة مطبوعات سواء كانت مقروءة، مرئية أم مسموعة. هذا فيما يتعلق بالكتاب، ولو وضعنا الأمر بوصفه أداة لنقل رسالة ما شأن الكتاب شأن الرسالة المسموعة كالأغنية أو القصيدة والمرئي كالتصوير لألفينا قائمة لا تنقطع من المحظورات في كل دولة على حدة. ولو أضفنا إلى ذلك ما يحمل شبهة التعدي على حريات الأفراد من حظر مطلق لاستهلاك ثمة مواد، أو ابتداء من سن محددة، كالمواد المخدرة أو المسكرات رغم أن هذه أو تلك تتاح في بعض بلدان أخرى مجاورة، لو فعلنا ذلك لضاق المقام حقا.

تعليقات

اكتب تعليقك