د. عبدالحميد الأنصاري يكتب: عبثية دعوى تنقيح صحيح البخاري

زاوية الكتاب

كتب د. عبدالحميد الأنصاري 386 مشاهدات 0


الجريدة:

يستغرب المرء من دعوى المحامي أحمد عبده ماهر إلزام شيخ الأزهر تنقيح كتاب "صحيح البخاري" للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (194-256 هجرية). 

لكن ما المقصود بتنقيح وتنقية صحيح البخاري؟

يريد ماهر، وهو محام بالنقض ومستشار قانوني وباحث في التراث الإسلامي، من الأزهر تنقية صحيح البخاري من الأحاديث المدسوسة والمنسوبة إلى الرسول، صلى الله تعالى عليه وسلم، وسبق أن رفع ثلاث دعاوى على الأزهر منذ سنوات، أولها دعوى تطالب بإلغاء تدريس صحيح البخاري، وكتابة صحيح آخر يكتبه علماء السنّة، والثانية، تطالب بإلغاء تدريس كتب الصحاح الستة، لأنها بحسب ادعائه: تطعن في مصداقية القرآن الكريم، وتشكك فيه، وتثير البلبلة في عقول ونفوس المسلمين في دينهم وكتابهم المقدس، والثالثة، تطالب بإلغاء تدريس فقه المذاهب الأربعة! لأنه بحسب زعمه: دموي، وعنصري، ومليء بالكراهية ضد غير المسلمين.

ولكن لماذا رفع الدعوى على الأزهر بالذات، وعلى شيخه؟ 

لأن الأزهر، هو الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى، التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره وتجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وتحقيق التراث الإسلامي ونشره، الأمر الذي لم يقم به شيخ الأزهر منذ توليه منصبه، حيث لم يقم بتنقية الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، طبقاً لقوله.

كانت محكمة القضاء الإداري، الدائرة الأولى، قد رفضت قبول الدعوى، لانتفاء القرار الإداري، لكن المحامي، طعن في الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، وصدر حكمها، بقبول الطعن (شكلاً) فقط، دون التطرق لموضوع القضية، وقررت إعادتها إلى محكمة القضاء الإداري، لنظرها أمام دائرة أخرى، لأن الدائرة الأولى لم تعرضها على هيئة مفوضي الدولة المختصة بإعداد تقريرها بالرأي القانوني.

فرح الطاعن بهذا القبول الشكلي، وهلّل المتعاطفون، وتناقلوه عبر الوسائط الاجتماعية، وغرد الطاعن على حسابه، منتشياً: الإدارية العليا تلزم الأزهر بـ"تصحيح البخاري".

وهو غير صحيح، ولا قيمة له، لأنه:

أولاً: التشكيك في صحيح البخاري، وكتب الصحاح، ورفع دعوى قضائية بإلزام الأزهر تنقيحها، أمر عبثي، فقضايا الخلاف الفكري والديني، ليست المحاكم ميدانها وساحتها، الفكر يناقش بالفكر، والخلاف يدار بالحوار البناء بدون اتهام أو إقصاء أو إلزام: كيف غابت هذه الأمور عن شخصية فكرية محاورة كالمستشار أحمد ماهر؟!

ثانياً: إن الأمانة العلمية والتاريخية توجب علينا أن نحمد لأئمة الحديث جهودهم المضنية، في جمعهم للحديث وتوثيقه ونشره وتيسيره للناس، علينا تثمين عملهم، والدعاء لهم، كونهم أفنوا أعمارهم في خدمة الحديث، لوجه الله تعالى خالصاً، لا يبتغون أجراً ولا شهرة، فقد كانت الأحاديث المنتشرة، في المرحلة الشفاهية، قبل تدوين الحديث، تعد بالمليون، طبقاً للمفكر الإسلامي، جمال البنا، وحسب أئمة الحديث، أنهم أنزلوها من المليون إلى بضعة آلاف، وذلك عمل عظيم علينا أن لا نبخسه.

ثالثا: وحتى نقدر فعل الإمامين البخاري ومسلم وأئمة الحديث، ونثمن فعلهم، علينا التذكير، بأن الإمامين: البخاري ومسلم، رحمهما المولى تعالى، قد انتقيا من هذه الآلاف المنتشرة، ما صح عندهما، بعد فحص دقيق، وبشروط دقيقة، ليوثقاه في كتابيهما، البخاري انتقى من 600 ألف حديث، 2761 حديثاً مسنداً فقط، ومسلم انتقى من 300 ألف حديث، 12 ألف حديث صح عنده.

رابعاً: أبى الله تعالى إلا أن يكون الكمال لكتابه العزيز وحده "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، وكل عمل ابن آدم، مهما بذل من جهد وإخلاص، يعتوره الضعف والنقصان، وهذا قانون عام، لذلك استدرك الحُفّاظ القدامى والمعاصرون، على الصحيحين، عدداً من الأحاديث، وبينوا ضعفها لعلل في المتن خفيت على الإمامين، لكن ذلك لم ينتقص من مكانة الصحيحين في نفوس المسلمين.

رابعاً: تتضح عبثية مطالبة الأزهر بالتنقيح، بأنه على فرض قيامه بذلك، فمن الذي يحكم على الأحاديث، إذا كان الأزهر هو المرجع، فهل يرضى الطاعن بحكم الأزهر المخالف لحكمه؟ وهل تقبل بقية المؤسسات الدينية للمسلمين بتنقيح الأزهر؟ وهل صحيح البخاري ملك الأزهر، حتى يستأثر بالأمر وحده أو هو ملك المسلمين جميعاً، فلا ينفرد جهة دينية بتنقيحه بدون توافق كل المؤسسات الدينية؟

تعليقات

اكتب تعليقك

captcha