الراعي والرعية.. وإشكالية البيضة والدجاجة

زاوية الكتاب

كتب 1685 مشاهدات 0


إذا حاد الملوك عما خلقوا من أجله..
حادت الرعية عما خلقت من اجله.. والبادئ أظلم..

حكاية الراعي والرعية، تشبه إلى حد كبير حكاية البيضة والدجاجة..من يأتي أولا..؟ من يتولد عن من..؟ ومن يقود من..؟ وفي الواقع لا أقصد هنا الدخول إلى جدل فلسفي بقدر ما أردت أن أقول أن هذا السؤال الذي كان غريبا مبهما إلى زمن قريب لم يعد له معنى بعد اليوم، ولا مسوغ لطرحه حتى، وذلك بعدما ردت الشعوب بنفسها لتصرخ بالإجابة: نحن نأتي أولا.. ولا أحد غيرنا..!!
فحتى زمن قريب.. لم يكن هذا السؤال قابلا للمناقشة أو الطرح، وذلك لشدة بداهة الإجابة.. فقد كان الجواب البديهي والأكيد 'سابقا' هو أن الحكومات وكل ما يتصل بها من مسميات وألقاب كانت تأتي أولا، وكانت الدولة بمؤسساتها المدنية، والشعب بقواه وجماعاته المختلفة، والأفراد، والأرض، والتراب، والهواء.. كلهم متولدون عنها، تابعين لها، محافظين على كيانها، مصفقين لها.. بالنسبة للحكومات، كان يكفيها والحال كذلك ان تتنعم بخيرات البلاد وتتلاعب بمقدرات الشعوب، ولا يهم إن عاشت الشعوب بعد ذلك في حالة من الفقر والعوز..
أما الآن بعدما اجتاحت العالم العربي موجة 'نحن الشعب' و 'الشعب يريد' و 'الشعب أولا' .. فلم يعد للنظرية القديمة موقع من الإعراب.. فالمبادرة الشعبوية التي أطلقها بوعزيزي في تونس اجتاحت الوطن العربي من أقصاه إلى أدناه.. على اختلاف في قوة التفاعل ودرجته وردات الفعل، إلا أن أحدا لا ينكر أنها أحدثت هزة كبرى في الوجدان العربي، هذه الاحتجاجات ما قامت بها الشعوب إلا مضطرة إليها.. ومجبرة عليها.. لما خذلها حكامها، ولما بلغت الحلقوم، ووجدت أن الأنظمة غير مهتمة، وغير مكترثة بمعاناتها.. أقدمت عليها بعد أن أعطت لساستها الفرصة تلو الفرصة لعمل شيء ما لإنقاذ البلاد والعباد دون جدوى..
وفي الواقع.. فإن الشعوب بهذه المبادرة قد قلبت الطاولة على السلطة، ووضعت ردا جديدا وجرئيا أمام سؤال 'من يأتي أولا..؟' ، كما وضعت نقاطا هامة على حروف ظلت خالية من التنقيط  والتشكيل لأعوام، وأجيال .. بل وقرون.. جاءت لتعدل أوضاعا خاطئة، ولتضع الحصان أمام العربة..
فإذا عدنا إلى السؤال الأول.. مسئولية الإصلاح تتعلق بمن؟؟ بالراعي أم الرعية..
تبين من خلال ما تقدم أن الشعوب في الوقت الحالي - فيما يبدو- أكثر قدرة على تقديم الأطروحات والمشاريع الإصلاحية من الحكومات، وإن عارضت الحكومات ذلك.. وإن أزعجها ذلك.. وأن المستقبل القريب سيشهد تحولا في التركيبة التنظيمية داخل بلادنا، تتبوأ فيه الجماعة من المكانة ما لا تستطيعه السلطة،  فلطالما منحت حكوماتنا العربية الفرص الكثيرة لتقود بلادها نحو الرفاه والحريات، ففشلت فشلا ذريها، وتخلت عن مسئولياتها الرئيسية، فإذا كان كذلك.. فإن الشعوب اليوم هي التي ستقوم بتقديم مبادراتها وإصلاحاتها وخططها المستقبلية.. وإن غدا لناظره لقريب.

كوثر  المسلم

 

 

بقلم: كوثر المسلم

تعليقات

اكتب تعليقك